Suivre ce blog
Administration Créer mon blog

Présentation

  • : Le blog de groupeprofs
  • Le blog de groupeprofs
  • : من أجل تواصل فعال وايجابي لاجل مدرسة الغد الافضل
  • Contact

Recherche

Archives

Liens

20 janvier 2014 1 20 /01 /janvier /2014 07:16

Charles BAUDELAIRE (1821-1867) Alchimie de la douleur L'un t'éclaire avec son ardeur, L'autre en toi met son deuil, Nature ! Ce qui dit à l'un : Sépulture ! Dit à l'autre : Vie et splendeur ! Hermès inconnu qui m'assistes Et qui toujours m'intimidas, Tu me rends l'égal de Midas, Le plus triste des alchimistes ; Par toi je change l'or en fer Et le paradis en enfer ; Dans le suaire des nuages Je découvre un cadavre cher, Et sur les célestes rivages Je bâtis de grands sarcophages. من رواد القصيدة الحديثة

 

Charles BAUDELAIRE (1821-1867)

Alchimie de la douleur

Charles BAUDELAIRE (1821-1867)

Alchimie de la douleur

L'un t'éclaire avec son ardeur,
L'autre en toi met son deuil, Nature !
Ce qui dit à l'un : Sépulture !
Dit à l'autre : Vie et splendeur !

Hermès inconnu qui m'assistes
Et qui toujours m'intimidas,
Tu me rends l'égal de Midas,
Le plus triste des alchimistes ;

Par toi je change l'or en fer
Et le paradis en enfer ;
Dans le suaire des nuages

Je découvre un cadavre cher,
Et sur les célestes rivages
Je bâtis de grands sarcophages.

Partager cet article

Published by groupeprofs - dans روابط هامة
commenter cet article
12 décembre 2013 4 12 /12 /décembre /2013 07:37

 

      mass2          تصور إصلاح المنظومة التعليمية ، ينطلق من عناصر اساسية تحتاج إلى الضبط و التوثيق و التوظيب ... لابد لنا أن نفكر بطريقة معاصرة مستشرفة للمستقبل ... تحاول أن تتجاوز هفوات الماضي ، و التوظيفات السلبية و السيئة فيه ... إن تصور إصلاح المنظومة التعليمية ، حينما سنفكر فيه سياسيا ، فلا بد لنا أن نرى المراد بهذه المعالجة السياسية .. كيف ذلك ؟

المعالجة السياسية

           لها عنصران متقابلان ... أولهما سلبي محض ، إذا اراد الاستحواذ على مشروع الإصلاح ... ذاك الذي يريد التحكم في المنظومة و توجيهها بما يخدم تصوره الأحادي للتعليم و التربية ... ذاك الذي يرى الهاجس الأمني هو الأساس في برمجة تصور إصلاحي للتعليم ... و هنا لن يكون إصلاحا حقيقيا و نافعا للمجتمع ، بقدر ما سيكون حقلا للتحكم بعنانه في خيول جارفة للريح و التيارات التي تقابلها فوق سكة قطار التعليم ... هاجس يستحضر الماضي القريب ، المرتبط بفاعلية التعليم في بلورة وعي وجتمعي يستيقظ كلما رأى ضرورة التطور و البحث عن شروطه ... و هذا الهاجس الأمني طبعا ، ارتبطت ذاكرته بمحطات نضالية و مسيرات احتجاجية و انتفاضات شعبية جماهيرية ، كان للأسرة التعليمية ـ أساتذة ، طلبة ، تلامذة ـ ، دور فيها و في قيادتها .... كانت المعادلة في هذا التقابل سياسية محضة ... تقارب شموليا التداخل بين ما هو سياسي ، و ما هو ثقافي ، و ما هو اقتصادي ، وتربوي ... إلأى غير ذلك من زوايا و ميادين التقاطع للمنظومة التعليمية التعلمية معه ...

و إلى جانب الهاجس الأمني التحكمي ـ الذي بُلور لمشاريع الحكامة بلغة العصر السياسية ، و التي لن تكون حكامة العقلنة و الضبط و البرمجة الدقيقة  و الجدولة الزمنية لمراحل انجاز و التقييم و التقويم ، قدر ما كانت بعقلية ثقافية هاجسُها أمني ، تجبر و تحكم و قبضة على اللجام و توجيه لمسار يخدم المصالح و لا ينفلت عن رؤية العين و وتيرة البصيرة المتحكمة ـ ، إلى جانب هذا الهاجس الأمني ، سنجد الهاجس الإيديولوجي الذي يريد أن يجعل الوعي الذي سيحلق فيه عقل المتعلم ، سقفا لا يمكن تجاوزه و تحت رعاية و  مراقبة و تأطير و توجيه المُراقب ... و هذا السقف الإيديولوجي سيتنوع بين خصوصيات تنوع تركيبة العقل السياسي المغربي ، و يوازن بينها ...فالتيارات التي افرزها التفاعل الدولي الثقافي و الإعلامي و السياسي ، و التي  خلقت وجهات نظر و تفكير  ، و اساليب عيش و نمط حياة في اغتراب عن بعضها البعض . جعلت الفضاء للعيش واحدا ،  و العوالم المتخيلة و الممارسة متعددة و متناقضة إلى درجة إقصائية تريد محو الآخر و تصوره و نموذجه ... هذا الوعي المتطرف و الإقصائي أخذ في التطور بحكم مفارقات الواقع ، و تباعد المختلفين عن دائرة الحوار و التقارب الخادم  لمجتمع ، و غياب ديمقراطية في الوعي كما في الممارسة عند جميع الأطراف ... فمجتمع تحكمه عقليات القرون الوسطى في الثقافة كما في المعاملات ، لم ينضج بعد إلى هذا الأساس من الوعي بالحريات و قيمتها ، و السلط و وظائفها ...

 المعالجة السياسية الإيجابية  

            للمنظومة التعليمية ، ستتجلى أولا عمليات الإشراك المتنوعة و التمثيلية في مناقشة الوع و ما يتطلبه من نهوض و تغيير و تصويب ...

ثانيا الأخذ بعين الاعتبار لجميع الأفكار المطروحة ، و إعطائها من الحق و الوزن نفس ما ستأخذه افكار و توجيهات رسمية منزلة بسلطة نفوذ ...اقتراحات تتضمنها الدراسات و التحاليل  و الرأي العام و الإعلام عموما ...

 ثالثا ، بلورة كل هذه الثقافة داخل عمل مؤسساتي و ليس فردي انطباعي ن حتى لا نقع في عمى الألوان كما وقع لمن سبقوا في لخبطتهم للوحة التعليم ، و إقحامهم للبعد الفلكلوري في مقاربته ...

 رابعا ، الإيمان بالنسبي في كل المراحل و سيرورة العمل و التطبيق ، و اتخاذ القرارات ... ما يعني إخراج المنظومة التعليمية من هيمنة التوظيف السلبي  الذي يغطي تسلطه على المجال و استبداده بتدبيره ، و إقصاءه للمحاسبة و المراجعة ، بادعاء التوجيهات العليا ، بينما هي سياسات تدبيرية بشرية و مؤسساتية و مكتبية ، تتنزل تدريجيا من مجلس أعلى للتعليم إلى باب المؤسسة  و موظفي القطاع ...

خامسا ، حضور المحاسبة و المتابعة ، و حماية المال العام الذي ينفق في حقل التعليم ، من عبث السماسرة و لوبيات الفساد و الرشوة الذين يُحكمون قبضتهم على المشاريع و يعرفون كيف يتلاعبون بالكل في اختلاسٍ أو تزوير ، أو احتكار ، أو غش و خيانة أمانة العمل و الإنجاز ... و لعل التغطية التي يستفيدها البعض في كل عمليات محاسبة ، تبين أن اللوبيات قائمة حية مهيمنة ، ضاحكة بذقونها على احتباس و اختناق هذا التعليم الذي أتخم بطونها ...

 

المعالجة اللوجيستيكية :

 

ستكون تتبعا للبنايات و التجهيزات  و التقنيات و المؤسسات و الوظائف و العنصر البشري الذي يسهر على العملية التعليمية التعلمية ... كما ستكون تجنيد مبرمج للمهام و طرق الإنجاز و وسائله و حاجياته من التواصل و المواد التي يجب توفيرها لأجل تحقيق هذه المهما المتداخلة ماديا و معنويا ، عمليا و منهجيا ... بذل الجهد المناسب ، و تمويل المشروع المناسب بالحجم و الراسمال و الطاقم المناسب ، من أجل النجاح في مهام مشروع ما ، مرحليا ، على مدى قصير المدى ، أو متوسط ، أو طويل ...

سنحتاج إلى تحقيق دمقرطة حقيقة في حقل التعليم ، تجعل الكل واحد و سواسية ... كل فرد مغربي مواطن ، و كل شبر من تراب الوطن يستحق ما يستحقه آخر من عناية و تجهيز و بناية .... سنخرج من سياسة متخلفة تشوه خدمتنا لنظامنا السياسي العام ، و التي تجعل سياسة الواجهة و تغطية الواقع المتردي ... و هي ثقافة مغربية حاضرة بامتياز في جل مناخاتنا و بيوتنا ...و ليس فقط عند المسؤولين و الساهرين على مصالحنا في العمالات و الأقاليم و المندوبيات و النيابات و مصالحها ... أن تجد في مدينة واحدة ، مؤسسة تعليمية بمواصفات متطورة ، و أخرى متردية آيلة للسقوط و فقيرة من حيث التجهيزات و المرافق و البنايات الضرورية لها ، يعتبر مفارقة تعبر عن انفصام شخصية المسير و المستفيد ، و انفصام لوحة الوطن التي مزقنها و رقعناها بين زرقة سماء صافية و طمي وحل في التراب ...

سنحتاج إلى الخروج من عقلية التقشف التي لا تكون إلا في المجالات العمومية و قطاعاتها ... و التي تجسد الشرخ الآخر لهذا الانفصام ، و التي أنتجت مجتمعا فقيرا فعلا في شخصيته و متوجه و طريقة عيشه و قيمه و إيجابيته لوطنه ... فالتقشف يكون معه التضييع للمال أكثر ... بحكم السياسات الترقيعية التي تكون كل مرة ... و الفشل المطلق الذي  يكون رفيق كل  مشروع إصلاح ... فالتعليم سفينة ضخمة تواجه إعصارات المحيطات لكي تقود الأمة إلى شواطئ رسو ثابتة و إبحار مستمر آمن ... إن البنيات التحتية التي أرساها الاستعمار أصبحت أفضل من التي بنيت و اسست في تسعينيات القرن العشرين ... و هذا وصمة عار على جبين مجتمع يحتفل بالاستقلال كل سنة في يوم خاص به ...

 

المعالجة الثقافية المجتمعية :

 

لا تختلف و لا تبتعد عن التلازم مع سابقاتها ... ذلك أنها ترى أن الطبقة المسيرة و الموظفة للسهر على شؤون الإدارة العمومية ، ترى في مناصبها ريعا يجب استغلاله ، و فرصا يجب عدم ضياعها من أجل نهب و اغتنام و استحواذ و تفويت ... عقلية ثقافية لا زالت راسخة بحكم التربية المتعطلة في وعينا و عقولنا ، ترى أن العمل المؤسساتي العصري ، هو نتاج استعماري غربي كافر ، يجب الانتقام منه و عدم رحمته ... و تعيش انشطارا بين نهبه و الترقي فه ، و بين ترسيخ تبرير في الوعي بعدم صلاحيته و عدم استحقاق المواطن له ... هكذا يصبح من سينتقم من المستعمِر ، مستعمِرًا بما يقوم به ، يقصي المواطن من الاستحقاق و الاستفادة من خيرات بلاده ... سيكون رغد العيش للموظف المسؤول ، و الكدح للمواطن ... دليل ما نقول هو سياسة أي إدارة مغربية في شراء سيارات فاخرة جديدة ، و مكاتب رفيعة ، و تقليصها من ميزانيات  التجهيز و التمويل للمرافق العمومية كبناء المدارس وجودتها ، و توظيف العنصر البشري لخدمة الصالح العام ...

المعالجة الثقافية ، تحتاج إلى تجنيد باحثين تربويين و علماء اجتماع ، و محللين نفسانيين ، يتابعون وضعيات الخلل و العطب في عقلية العنصر البشري ، يطهرون الوعي مما ترسب من مثبطات الماضي القريب و انعكاسات ذلك على ضمير متعب باليأس و الإحباط ... كما تحتاج إلى مواكبة المناخ الثقافي الدولي ، و إحداث توازنات و ترتيب أولويات في الاشتغال الذهني و الفكري ، و نوعية الأوراش و حجمها و شكلها ، تلك التي يجب الاشتغال عليها تربويا و بيداغوجيا ، بما سيخدم شخصية المواطن و إنتاجه في جميع حقول الحياة ,,, و لا ننس أن العطاء متبادل بين مكونات المجتمع ، تتكامل فيه القطاعات و تتحاور و تتواصل و تنقل وعيها و ارتسامها و ملاحظاتها و تجاربها إلى القطاعات الأخرى و وعي الآخر ... ... يكون الحدث الثقافي و الوطني مندمجا مع سيرورة المشروع التعليمي مدعما لاهدافه و متوافقا معه قيمه و مبادئه ...

 

Partager cet article

12 septembre 2013 4 12 /09 /septembre /2013 11:37
 
المسرح المدرسي ودوره في بناء شخصية الطالب..
يوسف الحمدان

واقع تائه
المسرح المدرسي ودوره في بناء شخصية الطالب نفسياً واجتماعياً وفكرياً محور يبدو لي – إذا ما وقفنا عند واقع المسرح المدرسي في أغلب أقطارنا العربية - يبدو لي مرتبكاً وإشكالياً، ذلك أن المحور من عنوانه يومئ إلى اتفاق شبه اجماعي على وجود مسرحٍ مدرسي مؤسس الهيكل والبنيان والأفق وعلى وجود دور فاعل وحقيقي ومؤثر قد اضطلع به منذ تأسس في بناء شخصية الطالب وعلى تحقق بنية نتائجية لشخصية الطالب، بينما الأمر في رأيي يستدعي الوقوف والتحقق والـتأمل ومشاخصة هذا المعطى النتائجي للمحور.
فلفترة ليست بالقصيرة ساد في أغلب الأقطار العربية مفهوم يكاد يكون واحداً ومشتركاً ومتفقاً عليه وقاطعاً في مسرح المدرسة وهو أن المسرح ينبغي أن يكون – دوراً وغاية – ترجماناً أدائياً للدرس وللفكرة أو القيمة التي ينشدها منه ولذلك عكف العاملون في حقل المسرح بالمدرسة على ترجمة الكثير من الدروس عبر المسرح في الأنشطة الصفية واللاصفية والترفيهية و» الفراغية « وكانت المواد الأثيرة بالنسبة إليهم هي اللغة العربية، الإسلاميات، التاريخ، وذلك لما كانت تحتويه من دروس تعليمية ووقائعية وبطولية ومواعظية وعبرية وأسطورية وخرافية، ويبدو أن أغلب كتاب النصوص المسرحية آنذاك هم من مدرسي هذه المواد المذكورة، وأعتقد أن هذا المفهوم لا يزال سائداً وإن اتسع مجال الأدائية للمواد الدراسية وتنوعت مجالات كتاب النص، وإن كان هناك استثناء من بين هذه الدول، فيتجسد في المحاولات التجاوزية الخلاقة التي اقتضاها وعي مواكباتي النزوع للمسرح كمنجز حضاري كوني والتي تمثلتها – معرفة وحماسة – تونس وتلتها بدرجات مضطربة مصر ولبنان، إذ أن المسرح في أغلب بيئات التربية والتعليم العربية لا يزال في خدمة الدرس وتأتي أهميته في حيز المرجأ والخيارات المتعددة ، وليس بوصفه فناً إحداثياً قائماً بذاته، سواءً كان نشاطاً لاصفياً أو مادة تدرس ضمن مواد دراسية أخرى كما يحدث في إنجلترا وفرنسا وأمريكا مثلاً.
ولأن المسرح المدرسي في أغلب الدول العربية فن تابع للمادة المدرسية فهو لا يعد ويذكر إلا في المناسبات، وأحياناً حتى في المناسبات لا يتحقق فيها، كما أنه يعتبر – للأسف الشديد – نشاطاً عابراً أو خاضعاً لمزاج الهيئة الإدارية بالمدرسة، فإن كانت هذه الهيئة منفتحة ومتحررة من بعض «العقد» السائدة تمكنت من «استضافة» المسرح في أنشطتها وإن كانت - هذه الهيئة – متزمتة ومنغلقة، ألغت هذا النشاط من قاموسها الأنشطي تماماً، ولأنه فن عابر ، نلحظ التعثر والتخبط اللذين يلازمان ويعوقان تنفسه بشكل طبيعي، فإذا حظيت – ربما – بعض المدارس بمدرسين هواة للمسرح فهي «محظوظة» ما لم تعقها عقد بعض الهيئات الإدارية بالمدارس، وإن لم تحظ بعض المدارس بمثل هؤلاء الهواة فقدرها وقدر طلبتها أن « ينسوا» هذا النشاط حتى يتوافروا على مثل هؤلاء الهواة.
نشاط عابر
ويظل وضع المسرح في المدارس مرتبكاً وملتبساً وعرضة للإزاحة باستمرار في غياب المنشطين المسرحيين المختصين المكلفين من قبل الجهة المعنية بالنشاط المسرحي في المدارس، وفي غياب نادٍ للمسرح يستوعب طاقات وإمكانات هواة المسرح بالمدارس ويؤسس لورش مسرحية في شتى المجالات «تأليف، إخراج، تمثيل، ديكور، إضاءة، مؤثرات، سينوغرافيات، ماكياج، تصميم أزياء»، من شأنها صقل مواهب المدرسين والطلبة.
وتزداد غربة المسرح في مدارسنا بازدياد عزلته عن المجتمع، فهو الذي ظل ردحاً من الزمن ليس بقصير حكراً على الدرس ونزعات «الوعاظ « ومخالب «الكراه» له في المدارس فحسب، كيف يمكن أن يتسع في الفضاء الاجتماعي الأوسع ويتخلق كفن اجتماعي أو إبداعي له من ينافح عنه ويقر بدوره كضرورة لا غنى لأي إنسان متحضر وتزداد عزلة هذا – المسرح – للأسف حتى في المدرسة، إذ أنه كما ذكرنا نشاط عابر وحسب الرغبة وليس مادة حية مقررة في المنهج الدراسي كما هو متبع في الدول - المتقدمة – أعني عندما يتقدم الطالب بعد التخرج في الثانوية العامة للدراسة المسرحية في إحدى أكاديميات الفنون المسرحية فإنه يتقدم من منطلق تميزه في المواد المسرحية التي درسها في المنهج إلى جانب اهتمامه أو انتمائه إلى إحدى الفرق المسرحية الناشطة في مجتمعه وبناء عليه يحدد مستواه الفني ما إذا كان مؤهلاً للالتحاق بهذه الأكاديمية أم لا، أما نحن – هواة المسرح في مجتمعنا أعني – فالمؤهل الوحيد لدينا هو بعض ما تحصلناه. من أنشطة مسرحية لاصفية أو ما مادرسناه مسرحياً خارج المدرسة ولا علاقة للمسرح بالمنهج، وأنا لست مع الذاهبين إلى مسرحة المناهج بقدر ما أروم إيجاد مادة مسرحية في المنهج، فأغلب مناهجنا لا تتصل ولا تتحاور ولا تنبثق من بيئتنا وأغلبها لا يتوافر على معطى ثقافي خلاق ومثير للجدل، كما أن هذه «المسرحة» فوقية التوجيه، بمعنى أنها هي التي توجه المسرح وهي التي تعلب الطاقة، وأرى أنها – إذا أقرت – فقد أتت من قبيل الترف ليس إلا ـ بمعنى أننا نتملك قابلية «التطور» إذا شئنا ذلك ، ليس مهماً النتيجة المترتبة على هذه المنهجة وليس ضروريا ً الوقوف عند البنية التي تتلقى أو تنطلق منها هذه « المسرحة « وليست مهمة صلة أو علاقة هذه البنية بالمجتمع، وإذا كانت هناك علاقة فغالباً ما تكون شكلية، سطحية، غير دقيقة، وإذا طبقت فحتما أن بعض المدارس سوف ترفضها أو لن تطال مدارس أخرى، باعتبارها نشاطاً اختيارياً، اذ أن بعض المدارس قد عانت من شكوى بعض الأهالي الذين يرفضون كلمة «مسرح» ويرفضون انخراط ابنائهم في المسرح، فإذا ما أقنعهم مشرف النشاط، أنه ليس مسرحاً وإنما نشاط فحسب، أرخوا حبالهم ووافقوا بشروط على مشاركة أبنائهم. وإن كانت هناك ثمة نشاط تطبيقي صدر عنها وقد استهواه الطلبة في حينه، فإن المشكلة تكمن لدى الطالب حين يخضع هذا النشاط للجلد النظري في امتحان الفصل، وكما لو أننا نكرس بهذه الإشكالية شخصية مزدوجة لا نرومها على أية حال، كما أن هذه «المسرحية» بتكوينها الوصاياتي لا يمكن أن تحقق اتصالاً أوشج وأعمق بالمسرح وبمجالاته المختلفة وبتطوير في أدواته وعناصره ومفرداته الفنية وباكتشاف دائب لفضاءات المسرح المختلفة ولصقل وشحذٍ خلاق للطاقة الفنية في المدارس وبتكريس لابد منه للفن المسرحي في المدارس في المجتمع.
إذن فحتى نعد إنساناً للمستقبل لابد من أن نبني المستقبل نفسه، وحتى نبنيه لابد أن نقف ملياً وبجسارة عند الإشكالات والمعوقات التي تتربص إمكانات تحققه، والنماذج التي بنت المستقبل ماثلة أمامنا، فعلينا أن نتعلم منها.
أتساءل: ما الذي يا ترى يدعونا إلى أن نئد كائناً فينا يسمو بأنفسنا ويرتقي بوعينا وبسلوكنا ويدأب في درأ الصدأ عن ذاكرتنا ويذهب بمخيلتنا إلى حيث الإبداع والخلق والحضارة؟
الحكمة الشعبية الروسية تقول:
العمل الذي تزرعه تحصده عادة
والعادة التي تزرعها تحصدها طبعاً
والطبع الذي تزرعه تحصده مصيراً
ولكن إذا رفضت العمل أساساً، يا ترى أي مصير سوف تحصده؟ فتخيل أنك ترفض إسباغ كلمة الممثل على الطالب وترفض كلمة المسرح ذاتها، فكيف يمكن- والحال هذه- الحديث عن المسرح المدرسي؟
في تاريخ المسرح الأوروبي والشرقي القديم، يشترط على مدير المدرسة أن يكون ملما بالمسرح، ممارساً فيه، ذا خبرة وتجربة طويلتين في هذا المجال، أما نحن - وللأسف الشديد- لا علاقة بإدارتنا المدرسية بالمسرح ولا بالتربية المسرحية، وإذا كانت هناك ثمة علاقة، فهي علاقة سلطة وسطوة وتدخل قسري في الشأن الفني للمسرحية وفي الشأن الفكري فيها، ومن حقه أن يرفض أو يقبل وكما لو أن المدرسة بالمدرسين والطلبة ملك مستعبد له.
بهكذا إشكالات ماذا نتوقع من دورٍ للمسرح المدرسي في بناء شخصية الطالب غير ما نفترضه بوصفة حلماً يشاكس طموحاتنا ومخيلتنا؟
وبهذا الصدد سوف ابتعد قدر الإمكان عن الوصايات التعليمية في المسرح والتي ينبغي أن يلتزم بها الطالب الهاوي، مثلاً: كيف تكتب نصاً؟ كيف تخرج؟ كيف تمثل؟ كيف تنتقد؟ ماذا تقرأ؟ كيف تصمم ديكوراً مسرحياً؟ كيف تصمم أزياءً؟
ذلك أن مساحة التفكير والتخيل والممارسة في المسرح شاسعة جداً ومركبة، فليس المسرح نوعاً واحداً وليس النوع اتجاهاً واحداً، وكذلك مدرس المسرح ليس واحداً، ولكل شيخ طريقته، ولعل الصوت الواحد هو أحد أسباب تخلفنا في أمور كثيرة وليس المسرح فحسب، عندما نتوفر على هذه المساحة الحرة والواسعة سنكون فعلاً مؤهلين لبناء أنفسنا ولبناء شخصية الطالب ولبناء المستقبل، فإذا ما توفرت الإستراتيجية الثقافية والتربوية الخلاقة فحتماً سيحل الكثير من الإشكالات وسيزاح الكثير من المعوقات، نحن بحاجة إلى أفق أكثر من حاجتنا إلى شيء آخر, بمعنى أننا سنكون أكثر تحرراً أو انطلاقاً ما إذا كنا نقترح رؤيتنا ومخيلتنا، لا أن نسجنها في حيز طريقة واحدة عليها يقاس مدى استيعابها وفهمنا للدرس، وإذا استطاعت المدرسة أن تنجو بنفسها وبمن فيها عبر هذا الأفق فحتماً ستتمكن من بناء شخصية طالب قادر على التحرر من العقد التي تتربصه وقادر على اتخاذ موقف أو رأي في القضايا التي تواجهه وقادر على صناعة القرار وبالتالي قادر على اتخاذ موقف أو رأي في القضايا التي تواجهه وقادر على صناعة القرار وبالتالي قادر على تكوين ذات مجتمعية خلاقة وفاعلة ومؤثرة، حينها سيكون الطالب الذي تهيأ له مسرح في مثل هكذا مناخ:
- تلقائي السلوك غير مرتبك أو قامع لهذه التلقائية.
- جريء أو صبور ومتحرر من الكبت والضغوطات التي قد تباغت ذاته في أحيان.
- قادر على تحقيق وجوده وذاته في الدور المناط إليه في المسرحية.
- قادر على التخيل والابتكار والخلق دون روادع أو ضوابط قهرية.
- فاعل في القيم التي يتلقاها والتي نشأ عليها.
- دائب في إنضاج وعيه واستثماره تربوياً وإجتماعياً.
- متوازن في انفعالاته وفي ذهاباته الفكرية.
- باحث عن الآفاق التي تنمي تفكيره وتجربته وطاقته وذاكرتة.
- ولوع بعمله وبمسؤولية المشاركة الجماعية الخلقية.
- مدرب ذهنه ومخيلته على الاكتشاف دائماً.
- محصن بالأسئلة التي تقتضي آفاقاً لا متناهية في هذا الكون المركب والشائك والواسع.
- قادر على تنمية ذائقته وباحثاً عن السبل التي ترتقي بها دائماً.
- متحرر من أي خجل قد يعرضه لإحراج أو تردد في اتخاذ موقف أو مجاملة تأتي على حساب أمور لا يرغب فيها أو لانتكاسة نفسية.
- قريب من إحساسه ومشاعره أو عواطفه، قادر على الإفصاح عنها وتحسسها.
- مستوعب أهمية الفراغ المسرحي الذي تجسده في دوره أو في المهمة التي انيطت إليه تجاهها.
- سباق إلى إنجاز المهمة التي توكل إليه أو إلى فريق تجربته المسرحية.
- مدرك لوظائف حواسه جيداً والأحداس التي قد تصدر عنها.
- مبادر إلى أية بيئة قد تسهم في تشكيل فكره وذاته ووجدانه وقادر على استنطاقها في التجربة المسرحية.
- رافض للأنانية ومحفزاً على رفضها كونها داءً يفتك بأية رابطة اجتماعية.
- مدرب حاسة الملاحظة لديه على التيقظ دائما وقادر على استثمارها في دروس التركيز المسرحية.
o قادر على استثمار دروس الارتجال المسرحي في حياته اليومية وفي شحذ بديهته وفي كيفية التصرف إزاء أي موقف يواجهه.
o متمتع بثقتة كبيرة في نفسة.
o مسارع لتكريس القيم الوطنية النبيلة و الإنسانية في نفسه وفكره وفي مجتمعه.
o منافح عن هويته وحضارته دون تعصب أو تزمت.
o مراقب ومتأمل.
o متحرر من النزعات العدائية التى تروم الفرقة في المجتمع .
o قادر على التمييز بين حياته الخاصة وحياته الاجتماعية، كما وقادر أيضاً على مزجهما بفن وبوعي...
o متجاوز للنزاعات المذهبية والطائفية والعرقية.
o قادر على مواكبة العصر وتحدياته الراهنة و المستقبلية.
o قادر على تحديد رؤيته للعالم.
قلنا إذا استطاعت المدرسة أن تنجو بنفسها وبمن فيها عبر هذا الافق وتوفرت على الهيئة الادارية والواعية لدور المسرح ولدور الطالب فيه ولدور المشرف المسرحي الذي لا يسجن فكر ومخيلة الطالب بقدر ما يسعى بالحوار معه واستشاريته إلى خلق عرض مسرحي. مؤمن بأن رسالته الاساس هي الاهتمام بتربية الطفل وفتح أبواب العطاء أمامه على مصراعيه، وأدركت هذه المدرسة أنها المكان الثاني الذي يرعى الطفل بعد البيت، حينها يمكننا أن نجزم بأن هذه المدرسة سيكون لها دور حقيقي وفاعل في تنمية طاقة الطالب نفسياً واجتماعياً وفكرياً.
أمور لابد منها
وحتى يتعزز هذا الدور ويتعمق في بيئة المدرسة وفي نفسية وفكر الطالب لا بد من:
o إقامة المهرجانات المسرحية المحلية والخليجية والعربية واستثمارها في التطوير والارتقاء بالمسرح المدرسي وبالطالب الهاوي.
o بناء قاعات الافضية المسرحية بالمدارس واستغلالها مسرحياً وترك الحرية مطلقة للطلبة للتدرب فيها ولا كتشاف لغته الجمالية عبرها.
o تأسيس الاندية المسرحية وتزويدها بالقاعات المسرحية وبالمنشطين المسرحيين وبالتقنية المسرحية.
o طبع واصدار النصوص والدراسات المسرحية والتى يضطلع بها المنشطون المسرحيون والطلبة.
o إنشاء مكتبات مسرحية مقروءة وسمعية وبصرية.
o تشجيع الطلبة على ارتياد المسرح.
o تنظيم المسابقات المسرحية في المدارس لتحفيز الطلبة على حب المسرح والتواصل مع فنونه...
o تكثيف المشاركات المسرحية الخارجية, سواءً عبر المهرجانات أو عبر الدورات التدريبية.
o انشاء إدارات مسرحية فاعلة ومتخصصة في مجال المسرح بوزارات التربية والتعليم والشباب وترك المجال حراً وواسعاً أمامها للعمل.
o تسخير المجال الاعلامي من اجل المسرح وتشجيع الطلبة على المشاركة في إعداده وتقديمه.
o إقامة الورش المسرحية العلمية والنظرية بالمدارس.
o تعاون المدرسة مع المؤسسات المسرحية الاهلية في نشاطها المسرحي وتهيئة الطالب للمشاركة بشكل أوسع في المستقبل.
o استثمار المراكز والمعاهد المسرحية في منطقة الخليج وفي بعض الدول العربية وإتاحة الفرصة أمام الطالب للالتحاق بها مستقبلاً.
o استضافة فرق مسرحية مدرسية متميزة ومبدعة في عطائها المسرحي والاستفادة من تجربتها المسرحية.
o حينها ـ «الحينات» كثيرة ـ نستطيع أن نجزم بأن المسرح فعلاً من أعظم اختراعات القرن العشرين، حسب العلم التربوي مارك توين، وحينها سوف يمضي أبناؤنا الى مسرحهم دون ان يأبهوا كثيراٍ بالاغنيات الاستهلاكية الرخيصة التى حشيت بها دماؤهم وأدمغتهم !!
o حينها نستطيع ان نقول: أعطني أفقاً أعطك مسرحاً....
الاستثارات:
o في مسرح الاطفال، تأليف: عبدالفتاح ابو المعال .
o التشاط التمثيلي للطفل، تأليف محمد سالم الملص.
o كل شىء يبتدئ من الطفولة، تأليف: سرغي مينا لكوف.
o التربية ومؤسسات البرمجة الزمرية، تأليف: علي أحمد الديري.
http://www.alayam.com/writers/3714 المرجع الالكتروني  

Partager cet article

24 juillet 2013 3 24 /07 /juillet /2013 10:09

ترييف المدن : ظاهرة أنتروبولوجية جديدة
لا تنفك الدراسات الميدانية و الملاحظات المتنوعة من تسجيل الظاهرة و تبيان تمظهراتها و تشكلاتها ، مع تشخيص الأسباب و التداعيات ...
و مع أن العنوان لا يخرجنا من سياق الانتماء و العيش و التحقق التاريخي ، إلا أننا نشق طريق تحليله و تفسيره من أجل حل عُقد تاريخية و نفسية و ثقافية أفرزها تداخل عناصره ...
في الحديث عن المدينة ، تحضر ثقافات متجاورة في امتداداتها التاريخية و العمرانية و البيئية و السوسيو ثقافية ... تفرز معها وجود بنيتين على الأقل ظاهرتين ، بارتباطها الهوياتي و الجغرافي المتنوع من جهة ، و ثقافة مدنية غربية افرزتها مرحلة الاستعمار الغربي و الفرنسي و مشاريعه المادية و السياسية و الثقافية ...
مدنية بمواصفات عربية ـ إسلامية ـ مغربية : فاس ـ مكناس ـ سلا ـ الرباط ـ مراكش ... لها خصوصياتها العمرانية و أسوارها العتيقة و أقواسها و أبوابها الكبيرة ، تشكل رمز الهوية المنفتحة بحدود أبوابها المشرعة ليل نهار ، والمحافظة على تقاليدها و عاداتها التي تطبع شخصية افرادها و أسرها و بنياتها المركبة في العلاقة بين ما هو ديني و اقتصادي و اجتماعي و ثقافي و فني و سلوكي عام ... ومدنية خطّط لها المستعمر في مراحل تمركزه و تخطيطاته التوسعية و التحكمية ... اختار لها مواقع استراتيجية ، مجاورة أو مطلة على التجمعات العمرانية القديمة ... خلق معها حياة جديدة ، وجلب لها وظائف جديدة و شخصيات جديدة و سلوكات غربية جديدة كذلك غريبة عن اصحاب الأرض .. ما أكد تسميتها بالمدينة الجديدة ن مقابل المدينة القديمة أو العتيقة ...
و نفتح قوسا للتساؤلات حول الترسبات النفسية التي سيتسبب فيها المستعمر في هذا المشروع ، و جل اشكال المقاومة و الرفض و روح الانتقام التي ستترسخ عند البعض أو الجل ، و التربية عليها بالعمل على مشروع إخراج المستعمر المحتل المهدد للكينونة الهوياتية و استقلاليتها ...
لنقل إن هذا التماسك الهوياتي كان أكبر و اقوى في المدن و في الزوايا و في القلاع و التمركزات العمرانية المكثفة و المنظمة ...
أولى الصدمات إذاً ، واجهها هذا المولود المتقادم اليوم ، ألا وهو ( المدينة الجديدة ) ، في كونه ابنا غير شرعي لمسار مجتمع تزوج قسريا خارج القابلية و القَبول ، وخارج بركة الفقيه المستغاث به في الحلم كما في الغيث كما في الشفاء و الدعاء ... و خارج المنظومة الأخلاقية و الثقافية المنظمة لحياة هذا المجتمع المخترَق ...
على أن هذا اللون من الصراع ليس وليد اليوم فقط ، و لا مرتبطا بمرحلة الاستعمار فقط ، أو استنبات مدنه الجديدة ... فعبر القرون و العقود ، كان هناك تناقض بين الحضر و البدو ، و التجمعات العمرانية و السوسيو ثقافية ـ القارة و الأخرى المتنقلة ـ ، أشكال الأمن و الاقتصاد ، المتكاملة حينا بالتوافق و المتباينة حينا آخر بالتقابل و التنافر ...
لكن الراهن التاريخي يختزن كل هذه التناقضات المتراكمة ، و يفجرها عبر عقليات و سلوكات على أرض الواقع ، وعلى رقعة الحياة داخل المدينة و في علاقة معها ...
لقد شكلت المرحلة الاستعمارية ولادة قيصرية للمجتمع المغربي الحديث ، و أخصبت إنتاجها و ثمارها ، و أدمجت الأجيال الجديدة داخلها ، بحكم منطق الغلبة الحضارية التي تفرضها التبعية للقوى ، و منطق الأمر الواقع الذي لم تكن له بدائل مجاورة بالموازاةِ داخل بنياته التقليدية المجتمعية ...
هكذا اصبحت ( المدينة الجديدة ) رأسمالا ثقافيا للمجتمع ، مندمجا في مشروعه المدني و الحضاري و الجمالي عموما ... انتقل معها المجتمع من وضعيات الحياة التقليدية و البسيطة إلى الحياة المعاصرة المركبة و الزاهية بجماليات عمرانها و هندستها و فضاءاتها و تهيئة ثقافتها اليومية و اللباسية و الاقتصادية و المهنية و كذا الترفيهية ، و ما وفرته المدينة من فرص حياة مستقرة و مصالح بين الضروري و الكمالي ، و شكل انتماء هوياتي عصري ، تبنته النخب السياسية و المتعلمة ، ساهم في إحياء التباين المتناقض الجديد بين حياة القرية المغربية و البادية البدائية ، و حياة المدينة الجديدة و أشكال راحتها الجديدة لعمل البدن و العقل و كسب العيش و المعيش اليومي ...
تضافرت العوامل التاريخية إذاً . و ظهرت ازدواجة جديدة متحالفة داخلها في التفاعل مع المدينة كرمز ثقافي و عمراني ... و تبلور المشروع السيكولوجي في تحولات جديدة ، نعبر عنها بقولنا ( ترييف المدن ) بين العفوي و التخطيطي القصدي الممنهج ... كيف ذلك ؟
لقد لعب العامل السياسي دورا في ترييف المديينة و الحياة المدنية ...
ستكون السياسة نظام حكم و شكل تدبير في آن واحد ... ستشبُّ المدينة و تعلن شخصيتها المستقلة عن كل احتضان ، و المطالِبة بقيمها و حريتها و حياتها المتفردة ... مما سيدخلها في جدلية لا متناهية مع خصومها الافتراضيين : التمظهرات التاريخية النقيضة ، و المصالح السياسية و الشخصية المتباعدة ...
هذه السياسة ستكون نظام تدبير للمجال ، و تقسيم لعالمين : قروي و حضري ... حظي معها العالم الحضري بعناية أكبر و رعاية أفضل ، و تمويل متزايد و ضغط مصاحب للوعي و الثقافة و التعلم ، و تركيز للمصالح داخل فضاءاتها و مؤسساتها ... الأمر الذي جعل العالم القروي تابعا للعالم الحضري ، مهمشا حينا ، مستغَلا حينا آخر ، دون أن يعني ذلك استفادته من ثرواته في تنمية قروية أو تجهيزات مناسبة أو هيكلة عمرانية للحياة السوسيو ثقافية المناسبة للانسان القروي و البدوي ..
أشكال تهميش متعددة ، ساهمت معها ظروف المناخ و العيش القاسية ، كذا مراحل الجفاف و القحط و نذرة المياه أو انعدامها ، كلها ساهمت في تسريع وتيرة الهجرة التي اصبحت جماعية بالأسر كما بالمداشر ... فكانت الوجهة هي المدن و جاذبيتها السحرية و العلاجية النسبية ...
فما الذي قامت به السياسة التدبيرية لمعالجة الوضع و محاصرة هذا الاستنزاف للعالم القروي ؟ سؤال لا نريد من طرحه الآن جوابا تفصيليا موضوعيا ، بقدر ما نريد به مرآة عاكسة لسياسة تدبيرية استغلت هذا الوضع المتخلف ، ووظفته كورقة أو أوراق سياسية في تنمية الثروات الفردية سواء داخل المدينة أو في العالم القروي ... كما وظفته كأوراق انتخابية ، جعلت الناس جيشا احتياطيا انتخابيا ، يوظف في كل محطة و تُغيَّر به موازين القوى الحزبية و اللعبة الديمقراطية ... فكانت البقرة الحلوب للأحزاب المتفرخة بين عشية و ضحاها ... و كان الوعي الزائف هو المشغل ، و الوعود السرابية هي السائدة ... و كانت النتيجة : مدن مشوهة ، متضخمة كأورام أو ألغام منفجرة أو تلك التي في انتظار الانفجار ...
و الآن تضخمت اللعبة فانعكست على ميادين أخرى ، نذكر منها اليوم : أسمنة الطبيعة أو الزحف الإسمنتي على المجال الأخضر ...
انضاف اليوم إلى جانب هذه العوامل الموضوعية المركبة و المعقدة ، سلوك الفرد المدني و الثقافي الذي أفرزته هذه التفاعلات ... سلوك يطرح كم من سؤال حول مدى مدنيته و حضاريته ، يمارسه الإنسان ـ الفرد في الحياة اليومية داخل المدينة ، في فضاءاتها العمرانية ، كما في شوارعها العمومية و أزقتها المتشعبة داخلها ...
في غياب الوعي و التربية المدنية و التعليم الموازي و الاستقرار النفسي و البيئي المتوازن للشخصية ، ماذا سننتظر غير سلوك البصق في الشارع المرصف ، و احتلال الممرات الولوجية و الرصيفية ، و انتشار كراسي المقاهي الملبية لاستلذاذات كبتٍ حواسيٍّ يومي متكرر... كذا غياب جمالية عيش ، و حضور مقومات تشوه عمراني ممنهج ، يحول المستثمر إلى مرتزق بلا قيمٍ و لا التزام أخلاقي و حضاري ، تساعده أشكال الفساد الإداري و التدبيري و مظاهر الرشوة و الزبونية ، و شره الخارج من معاناة مجاعة ، على التحول إلى وحش منقَضٍّ على المدينة الجميلة ، إن كانت لا زالت فعلا تغري بجمالها ..ـ!!ـ



#سوسيولوجيا مغربية
Commenter cet

Partager cet article

Published by groupeprofs
commenter cet article
23 mars 2013 6 23 /03 /mars /2013 06:07

Lundi 7 janvier 2013107/01/Jan/201322:23

Afus

الخزانة المدرسية ، مقبرة منسية :

تحتل الخزانة المدرسية أهمية كبيرة في التصور التربوي و التعلمي المرتبط بالقطاع المدرسي ... فالحياة المدرسية لا يمكن تصورها سليمة في غياب الخزانة المدرسية ... إنما الواقع يشهد صدمة قوية موجعة ، لا تشرف مجتمعا يعيش في القرن الواحد والعشرين ...

الصورة المرسومة التي سنبدأ بها الوصف ، هي قاعة صغيرة ، تحيط بها رفوف ، وضعت عليها بعض الكتب اليتيمة ...

قصة هذه الكتب أنها يوم جاء التخطيط للقاعات المتعددة الاختصاصات ، لم يجدوا حلا لها إلا بإقبار الكتب في علب كرتونية ، ويرمونها في غياهب النسيان لكي تستأنس بالغبار والرطوبة ، وتسكنها العناكب والحشرات ... و بقي الحال لمدة ست سنوات ، يوم جاءت الصدفة في الإحياء بلمسة ضمير شقي ، خرجت مبعوثة للنور من جديد ، بعد موت سريري طويل ...

الزمان ، فصل شتاء ، بالكاد بدا مبشرا بتساقطات ... صباح يوم ممطر ... وقت الاستراحة : الساعة العاشرة صباحا تقريبا ...

 

الفعل : الدخول الى القاعة المسماة خزانة ... سقف تخترقه قطرات الامطار ... سجل للكتب مبلل ، انمحت معه الارقام والاسماء والعناوين ... الكتب كأنها التصقت بعضها بالبعض الآخر في محاولة انتحار جماعي كمي ... إذا اردت أخذ كتاب لتصفحه ، لصق غلاف الكتاب تحته أو بجواره بتمزق وتحلل ، سورياليا ، في بكاء من بلله الذي سكنه ...

العمل : معطل بالخزانة ... بالكاد عملية توزيع الكتب المدرسية تتم في بداية السنة الدراسية ، بما توفر منها فقط ... البرامج الدراسية ، مغيِّبة هي الاخرى لمشروع تعلمي مرتبط بقراءة الكتب وتوظيفها في العمليات التعليمية والتعلمية ... ولا حرج على هذه الكتب في حالات ترديها ... فحتى القاعة التي احتلتها الحواسيب المحسوبة الكترونية ووظائفية في التسمية بالقاعات المتعددة الاختصاصات أو الوسائط ، هي الاخرى برك مائية ورطوبة مغيبة لكل تحفيز في التعلم ، ومعطِّلة لكم من آلة الكترونية ...

 

النتيجة : شلل في الحياة المدرسية ، و غياب لمسايرة التطور العلمي والبحث داخل المؤسسة التعليمية ...

 

الدرجة : آخر المراتب العالمية لقطاع التعليم ... وما كذب التقرير ، ولكن كذبت العين في عدم ذرف الدمع على الحال الواقع . كما كذبت تقارير الادارات في التغطية المبررة لكي تجعل صورةً لنجاح البرنامج والسياسة التعليمية المرسومة و الممولة ...

 

الحصيلة : قالوا : 29 مليار درهم ذهبت في التعليم بالادماج ... تضليل جديد يدعوك للعب جولة بوكر جديدة ... ستكون خاسرا فيها لا محالة ،لأنك لا تتقن التمويهة.

النهاية : نحتاج إلى فيكتور هيجو ، لكي يؤلف لنا حول تعليمنا المغربي ، كتابا ، و ليسمِّهِ : ( البؤساء) ، إذا اراد.

Partager cet article

4 mars 2013 1 04 /03 /mars /2013 05:53

ratl

 

في المنطلق نستحضر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، أنه من اجتهد فاصاب فله أجران ، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد ...

. ومن هنا نتناول دروس التطبيقات بمجموعة من الملاحظات التأملية والاجتهادية ، محاولين من خلال التجربة واستنتاجاتها ، أن نضع بعض المقترحات التي يمكن أن تفيد المدرس في تعامله مع حصة التطبيقات...

هكذا ، وقد تبلور الوعي بأن التطبيقات لا تعني ابدا مجرد دراسات للنصوص ، فإن المنطق يفرض جعل تزاوج بين الرؤيتين ... أي أن نرى إمكانية توظيف الطريقتين في حصة التطبيقات أو إحداهما بحسب الممكن الذي يتيحه الوقت والحصة الزمنية المخصصة للتطبيقات...

البداية ستكون مع درس المواريث ... وهذا يعني أننا لن نتبع طريقا متصاعدا مع بناء المقرر من الدرس الاول فالثاني ، وهكذا دواليك ... ، بل إننا سنتصرف في اختيار الدروس المناسبة في الاشتغاال ، حتى نربح اكثر قدر من الاسنتاجات والاقتراحات ... علما أن العملية تلتقي مع مصطلحات حديثة في البحث العلمي ، ومع الحديث الشريف مقدمة الاشتغال ، واللذين يجعلان الاجتهاد نسبيا وديمقراطيا ... بمعنى أن الدراسة ستكون مجرد لبنة يعمل السادة الاساتذة و الباحثون التربويون على تكملتها بلبنات اخرى ... والكمال لله سبحانه و تعالى

في درس المواريث ،و مع التجربة السابقة مع مقررات سالفة في مادة التربية الاسلامية ، مقارنة مع المقرر الجديد ، نجد أن الهفوة وقعت في مقاربة الاشتغال على حصص التطبيقات ... وباختصار ، نقول على أن دروس المواريث فيها جانب نظري وجانب تطبيقي وآخر نشاطي كذلك .. لذلك نتساءل حول كيفية جعل الاشتغال مفرقا بشكل منهجي بين الثلاثة ... فمثلا اذا اخذنا  موضوع الانظار الاربعة ، نجد فيه قواعد عامة لابد من تحديدها و تبيانها ... وهذا يكون في الدرس النظري  ،كما انها تحتاج الى حصة خاصة بها فيه ... وهي ملائمة لتخصيص جانب تطبيقي وحصة التطبيقات ، يفرد لها الاشتغال حتى نصل الى درجة تعمق اكثر وفهم وتطبيق عملي للمواريث يحقق ما استفدناه في الدروس النظرية ... كما انها تقسمم الى تطبيقات مبسطة تقتصر على الانظار الاربعة التي تجد فيها انكسارا واحدا ، ومرحلة ثانية فيها نجد الانكسار في اكثر من حالة من الارث ...

وهنا نؤكد على الطريقة السابقة في المقرر السالف للمواريث كانت افضل من الحالية ، وأسهل في الاستيعاب و الفهم والتمكن بالنسبة للتلامذة ...

ننتقل الى مقاربة اخرى لحصة التطبيقات ، وتتعلق بنوعية النصوص ، فنقول على ان النصوص تتعدد بين كونها : ـ نصوصا شرعية (قرآنية وحديثية)، ـ نصوص تاريخية ـ نصوص أدبية ـ مقتطفات من دراسات موزعة بين علوم ومجالات متعددة (قانونية قضائية ،فلسفية ، فقهية ، مقارنة ...) لذا كان لابد من امتلاك ادوات التحليل المنهجي الخاصة بكل نوعية من النصوص ... وكذلك تحديد عناصر وآليات ووسائل تقنية لكل نوعية تسهل جعل التقاطع بين المدرسين في مقاربة هذه النصوص حتى نصل الى نتائج مشتركة توحد تحقيق الاهداف و الملكات والكفايات و المهارات الواحدة بين صفوف جميع التلامذة ، رغم توزع مناطقهم واقاليمهم و مدارسهم ...

هناك بعض التوجيهات التي يجب اعتمادها في التعامل مع الجذوع المشتركة : فلابد من جعل مقاربة خاصة تبين ما يحتاجه تخصص الآداب ، وما يحتاجه تخصص العلوم في التعامل مع النصوص وانتقاء المعلومات و اشكال التطبيقات ... مثلا ، إذا أخذنا موضوع (علاقة الاسلام بالرسالات السماوية السابقة) وجدنا الاشتغال على حديث مناسب ، وهو ( إن مثلي ومثل الانبياء من قبلي ...) . هذا الحديث يحتاج الى تطبيقات مناسبة مرتبطة بدرس التشبيه واركانه ... و الحديث غني بصور التشبيه التي تحقق اهدافه المتنوعة بين التاريخية والعقلية التحليلية المقارنة ، والاستنتاجات المنطقية المرجوة من الدرس ... ولعل هذه الطريقة ستكون أفيد لهذا الدرس الجميل ...

اذا اردنا ان ناخذ بعين الاعتبار التخصصات العلمية في هذا المستوى ، ننتقي نصوصا من الكتب الثلاثة للاديان السماوية ، تتناول حقائق كونية او تاريخية ، ونقارن بينها، فنصل الى الاستنتاجات المرجوة من الدرس كاهداف وكفايات محققة ... ويمكن الاعتماد هنا على كتاب لصاحبه (موريس بوكاي ) يقارن بين الكتب الثلاثة والحقائق العلمية والتاريخية (يتبع) ـ...

Partager cet article

10 janvier 2013 4 10 /01 /janvier /2013 07:29

Partager cet article

Published by groupeprofs
commenter cet article
8 décembre 2012 6 08 /12 /décembre /2012 07:33

 

.

وصف الكتاب:

 

يتكون الكتاب من 271ص، وهو مقسم إلى أربعة فصول، وكل فصل يتفرع إلى مجموعة من الأقسام. وجاء توزيع مضامين المؤلف على الشكل التالي:

الفصل الأول: من (ص5 إلى ص53 ): التطور التدريجي في الشعر الحديث.

وقسمه إلى قسمين:

الأول: تحت عنوان نحو مضمون ذاتي، تطرق إلى تيارين: الإحيائي، والذاتي، وتناول ضمن هذا التيار الأخير: جماعة الديوان، وتيار الرابطة القلمية، وجماعة أبولو.

الثاني: خصه للحديث عن الشكل الجديد في الشعر العربي الحديث.

الفصل الثاني: من ص55 إلى ص105: تجربة الغربة والضياع. بحث في هذا المحور عن أشكال الغربة والضياع في الشعر الحديث، والتي تمثلت في: الغربة في الكون، والمدينة، والحب، والكلمة، إضافة إلى الغربة في المكان، والزمان، والعجز، والحياة، والموت، والصمت.

الفصل الثالث: من ص107 إلى ص190: تجربة الحياة والموت، تناولها عند كل من أحمد سعيد أدونيس، وخليل حاوي، وعبد الوهاب البياتي، الذي استقصى العديد من المواضع في تجربته الشعرية: كمنحى الأمل، والإنتظار، وخط الموت، والحياة، والإستفهام، والرجاء، والتمني، والشك.

الفصل الرابع: من ص195 إلى ص256: الشكل الجديد. تناول فيه مجموعة من المحاور، وهي: تطور اللغة في الشعر الحديث، والنفس التقليدي في هذه اللغة، والبعد عن لغة الحديث اليومي، والسياق الدرامي للغة الشعر الحديث، والتعبير بالصورة في هذا الشعر، وتطور أسسه الموسيقية، وفي هذا الإطار تحدث مسألة الزحاف، وتنويع الأضرب، والتدوير، ونظام القافية أما الخاتمة فخصصها للإجابة على مسألة الغموض، وتبريرها.

ـ 2 ـ

تحليــــل الكتــــــاب

(جرد القضايا والموضوعات)

الفصل الأول: التطور التدريجي في الشعر الحديث:

القضية الأولى: الشعر العربي بين التطور، والتطور التدريجي.

في هذا السياق أشار الباحث إلى أنه بالفعل حدثت حركية مهمة في الحركة الشعرية العربية، وأرجعها إلى سببين اثنين:

الأول: الإحتكاك الذي حصل بين الثقافة العربية، والثقافات الأجنبية الأخرى (يقصد الثقافة الغربية)

الثاني: توفر مناخ من الحرية، فتح المجال أمام الشعراء للتعبير عن تجاربهم.

وأشار إلى أن هذه الحرية التي ينعم بها الشاعر الحديث، هي نفسها التي كان يتنفس فيها الشاعر العباسي: كالمتنبي، وأبي تمام، وأبي نواس.. وشعراء الأندلس (الموشحات).

وكان الهدف المتوخى عند الشعراء قديما وحديثا هو العودة إلى التجربة الذاتية باعتبارها أساس التجربة الشعرية، ورافدها الأساسي.

القضية الثانية: علاقة الشعر بالنقد.

يعتقد الباحث أن العلاقة بين الشاعر والناقد يحكمها التعقيد، ذالك أن الناقد، في العصور القديمة (العصر العباسي)، يستند في أحكامه على النص الشعري بمعايير، ومرجعيات تقليدية، فالعصر الجاهلي يمثل قمة الشعر العربي، ومن هذا الشعر استنبط ما يسمى ب:"عمود الشعر"، وهو القيد الذي عطل الكثير من المواهب الشعرية، واعتبر الحرية الأساس الذي تقوم عليه كل تجربة شعرية جديدة.

القضية الثالثة: خصوصية التجربة الشعرية الحديثة.

لاحظ الكاتب أن هناك ما يميز حركة الشعر الحديث العربية، عن الحركات التجديدية السابقة لها في العصر العباسي، وفي الأندلس. ويرى أن المناخ الذي ولدت فيه هذه الحركة، كان متزامنا مع نكبة فلسطين. وحدد الأشكال التي ظهرت بها هذه الحركة في شكلين:

الأول: حركة شعرية واجهت الواقع التقليدي العربي المتماسك، فكانت حركة بطيئة جدا(جماعة الديوان ـ تيار الرابطة القلمية ـ جماعة أبولو ).

الثاني: حركة واجهت المجتمع العربي بعد أن تفككت بنياته، وفقد تماسكه، فجاء تيار التجديد قويا وعنيفا وجارفا.

ولكي يوضح أكثر هذه الأفكار، أو القضايا، أو الفرضيات التي طرحها في مقدمة كتابه، فقد عمد إلى تقسم الفصل إلى قسمين:

القسم الأول: سيدرس فيه التحولات/ الموضوعات الجديدة التي تسللت إلى مضامين القصيدة الحداثية.

القسم الثاني: سيدرس فيه قضية الشكل كما طرحته هذه التيارات وما قام حوله من خصومات ونقد.

القســـــــم الأول

الحركة الإحيائية

من أهم خصائصها، محاكاة القدامى، والسير على خطاهم، والنسج على منوالهم. وأهم هذه الحركات:

1 ـ التيار الإحيائي: (ويسمى كذالك المدرسة الكلاسيكية، التيار المحافظ، التيار التقليدي).

وكان من أهداف هذا التيار تنظيف القصيدة العربية من كل العوالق التي شوهت معالمها الجمالية طيلة فترة عصر الإنحطاط وبالتالي العودة بها إلى منابعها الصافي عند شعراء العصر العباسي، وشعراء الأندلس، وذالك باقتفاء أثرهم، في المعاني، والأفكار. وأرجع الباحث الأسباب كون أغلب شعراء هذا التيار لم يتصلوا بالثقافة الأجنبية، مما جعل تأثرهم بها ضئيلا، وأورد اسم البارودي كأحد ممثلي هذا الاتجاه.

2 ـ التيار الذاتي:

كان البحث عن الذات الفردية لدى الشاعر الإحيائي من أهم العوامل التي عمات على تغيير مسار الشعر العربي، وتجنيبه البقاء رهينة للقدماء. وتبلور هذا الإتجاه عند التيارات الشعرية التالية:

2/1 ـ جماعة الديوان:

تشكلت من زمرة من الشعراء الذين أخذوا على عاتقهم التبشير بقيم جديدة، تتماشى والتطورات التي عرفها المجتمع المصري بعد ظهور الطبقة البورجوازية على مسرح الأحداث. ويمثل هذا التيار كل من: عبد الرحمان شكري، عباس محمود العقاد، إبراهيم عبد القادر المازيني. انطلق هؤلاء من فكرة مفادها: "الشعر وجدان". ثم اختلفوا في تفسير دلالته:

ـ شكري فهمه على أنه التأمل في أعناق الذات.

ـ المازيني رآه في كل ما تفيض به النفس من شعور وعواطف وإحساسات.

ـ العقاد اعتبره مزاجا من الفكر والشعور.

وانتهى أحد أقطاب هذه الجماعة إلى القول أن الشاعر إذا لم تعرف حياته من ديوانه فما هو بشاعر ولو كان له عشرات الدواوين.

وأرجع الباحث إيمان جماعة أبولو بقيمة العنصر الذاتي إلى عاملين:

الأول: شخصية الفرد المصري التي تعاني من انهيار تام على مختلف الأصعدة مما تطلب منه رد الإعتبار إلى ذاته

الثاني: تشبع رواد أبولو بالفكر الحر، الذي بسط ظله على العقل الغربي في تلك الفترة من تاريخ الأمة العربية.

2/2 ـ تيار الرابطة القلمية:

تأسست هذه الرابطة من أدباء وشعراء جمعتهم الغربة والبعد عن الأوطان. كان ذالك في أمريكا. وانطلق أقطاب هذا التيار ـ ميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران ـ من مفهوم موحد للشعر باعتباره "وجدان"، ولكنه وجدان لا يقف عند حدود الذات، بل يتجاوزها ليشمل الحياة والكون. لقد آمنوا بوجود علاقة خفية تربط الفرد بالكون، وتقربه من الذات الإلهية. ولاحظ الباحث أن أقوال هؤلاء الشعراء تتناقض مع أفعالهم، ذالك أن أغلبهم هربوا من الناس، ومن الواقع، ومن الحضارة، وغنوا أحلامهم للغاب، والخلاء، حيث ـ من وجهة نظرهم ـ الصفاء، والنقاء:

ـ جبران هرب إلى الطبيعة يناجيها ويبث لها أحلامه.

ـ ميخائيل نعيمة هرب إلى ذاته يتأملها.

ـ إيليا أبو ماض اعتصم بالخيال.

وينتهي الباحث إلى خلاصة مؤداها أن ما في شعر هؤلاء من هيام بالطبيعة، والحنين إلى الصبا، واللهو في سوريا، وفي لبنان، ليس سوى لون من ألوان الهروب التي يلجأ إليها الشاعر الوجداني عندما يحتمي بذاته الفردية كشكل من أشكال المواساة، وتعويض عن قطعه الصلة بينه وبين الحياة.

3/3ـ جماعة أبولو:

اعتُبر أحمد زكي أبو شادي بمثابة الأب الروحي لهذه الجماعة التي تأسست سنة 1932م. وانطلقت من اعتبار ذات الشاعر هي المصدر الرئيسي لكل ما ينتجه من شعر. ومن أقطاب هذه الجماعة، وما تفرد به كل واحد منهما، وميز شعره ذكر الباحث:

ـ إبراهيم ناجي: دار أغلب شعره حول المرأة، والحب.

ـ أبو القاسم الشابي: هام بالجمال، وعشق الحرية.

ـ عبد المعطي الهمشري: ولع بالطبيعة، واستشراف ما وراء الحياة، من خلال الحياة.

ـ علي محمود طه: شعره حافل بمظاهر البهجة والمسرة، منغمس في متع الدنيا، وملذاتها.

ـ أحمد زكي أبو شادي: كان حتى في شعره الموضوعي ذاتيا.

القسم الثانـــــــــــــي

نحو شكل جديد

فرضت المضامين الجديدة التي نحت منحى جديدا على الشاعر العربي الحديث إعادة النظر في الموروث الشكلي للشعر العربي، فكان لزاما عليه أن يتوسل للتعبير عن تجربته الذاتية، بأشكال مختلفة من الصيغ التعبيرية، والصور الفنية، والإيقاعات الموسيقية. وترتب على ذالك أن جاءت القصيدة الوجدانية، أكثر يسرا وسهولة من القصيدة الإحيائية المتأثرة بالتراث القديم كما نلمسه في القاموس الشعري لدى محمود سامي البارودي المثقل بمفردات البيئة الصحراوية البدوية: (القطا ـ الكاسرات ـ الذئاب ـ أسماء النباتات ...).

القصيدة الحداثية أصبحت أكثر قربا من الحديث اليومي للناس، وتجلت هذه الظاهرة أكثر في اللغة، عند كل من عباس محمود العقاد، في ديوانه: "عابر سبيل". وفي شعر إيليا أبو ماض. كما أن الشاعر الحديث وظف الصور البيانية بربطها بتجربته الشعرية ربطا وثيقا لشرح عواطفه، وبيان حاله، كما عند إبراهيم ناجي في ديوانه: "ديوان ناجي"، وليست مجرد وسائل للزينة. كما أن القافية لم تعد فقط وقفة عروضية شكلية، وإنما ارتبطت بأفكار الشاعر، وعواطفه.وينبهنا الباحث أن هذه المكتسبات لم تتحقق إلا لقلة من الشعراء المتميزين.

ومع ذالك فقد ظلت المحاولات التجديدية محتشمة، ومحبوسة في حيز ضيق، ويرجع الأسباب إلى الحملة العنيفة التي شنها النقاد المحافظون على هذه الحركة. فهم ينطلقون من مفهوم محدد للغة باعتبارها موجود مقدس، وأي مساس بها يعتبر مساسا بالمقدس، ومن هؤلاء النقاد: مصطفى صادق الرافعي، طه حسين، وكذالك العقاد الذي تحامل على لغة الحركة التجديدية في بعض مقالاته، وإن تراجع/ارتد عن آراءه في آخر المطاف. ويكمن السر في تراجع هؤلاء النقاد عن مواقفهم أنهم لم يعثروا على حجج قوية تقف في وجه التطور والتجديد.

وتحامل النقاد المحافظون أيضا على التجارب الشعرية التي مزجت بين الأوزان المختلفة في قصيدة واحدة، الشيء الذي لا تستسيغه الأذن التي تعودت على سماع الشعر التقليدي، كما فعل إيليا أبو ماض في قصيدته: "المجنون"، التي هاجمها طه حسين، واعتبرها ضرب من الجنون.

لقد حققت حملة المحافظين غاياتها، وأثرت كثيرا في مسار الحركة التجديدية، فتراجع بعض الشعراء عن طموحاتهم التجديدية، في حين توقف البعض نهائيا عن نظم الشعر كما فعل صالح جودت بعد صدور ديوانه الأول، حيث قال: "عزيز علي والله أن أودع الشعر، وأسكب آخر قطراته من قلبي، وأقف موقف الجندي الذي يطمع في الإنتصار، فيلقي السلاح، وينتحر". (مجلة أبولو/ المجلد الثاني ص269).

وانتهت هذه التيارات التجديدية نهاية محزنة ـ على حد تعبير الباحث ـ فالمضمون بقي مرتبطا بنغمة الكآبة، والأنين، والتوجع، والشكوى. كما أن الشكل فشل في الوصول إلى صورة تعبيرية ذات مقومات مكتملة، وناضجة، وذالك بسبب تحامل المحافظين عليها، هذا التيار المحافظ هو من سيتراجع، ويستسلم بعد هزيمة1948م، وانتصار الكيان الصهيوني. ومع ذالك فقد عاود الشعر العربي محاولة التجديد متسلحا بالحرية التي أصبح الشاعر الحديث يمتلكها، ليخوض تجربة أخرى رائدة برؤية قوامها: الإيمان بالإنسان والمجتمع.

الفصـــل الثانــــــــــــي

تجربة الغربة والضياع

1. حركة الشعر الحديث تجربة الغربة والضياع:

التمهيـــــــــــد:

تحدث الباحث العوامل التاريخية، والسياسية التي أدت إلى خلخلة المنظومة الإجتماعية، والفكرية التقليدية السائدة بعد هزيمة الجيوش العربية سنة 1948م، وما رافق ذالك من إعادة مساءلة البُنى الثقافية التي كانت مهيمنة على العقلية العربية، هذه العقلية التي انفتحت في جزء منها على التيارات الفكرية الغربية، كالفلسفة، الأدب، النقد.. فراحت تبحث عن الأجوبة وراء الهزيمة، وبالأخص الشاعر الذي كان وقع الهزيمة قاسيا عليه، وآمن أن الخلاص ( التقدم والتحضر)، يكمن في الإلمام بكل أنواع المعارف الإنسانية. وإذا ما تتبعنا الروافد التي استقى منه الشاعر الحديث ثقافته وجدناه متنوعة المشارب:

1.1ـ روافد ثقافية معرفية: الفلسفة، علم النفس، التاريخ...

2.1 ـ روافد شرقية روحية: الديانات الهندية، الدينات الفرسية، وتأثروا بالشاعر الهندي طاغور، والشعر الصوفي، عند جلال الدين الرومي، والجامي...

3.1 ـ روافد شعرية التزمت بقضايا الإنسان: أوودن، نيرودا، إيلوار..

4.1 ـ الثقافة الشعبية: سيرة عنترة، أبي زيد الهلالي، سيف بن ذي يزن، ألف ليلة وليلة..

5.5 ـ التراث (الشعر العربي القديم، والقرآن): استمد منهما المهارات اللغوية.

تفاعل الشاعر الحديث مع كل هذه الروافد، ونجح في المزج بينها، فخرج برؤية جديدة للشعر. يقول أدونيس: "الإبداع الشعري وسيلة لاكتشاف الإنسان، والعالم، وأنه فعالية جوهرية تتصل بوضع الإنسان ومستقبله إلى المدى الأقصى". (أدونيس/ تجربتي في الشعر، مجلة الآداب، مارس 1962م، ص196).

2. علاقة الشكل بالمضمون:

إن المضامين الجديدة التي دخلت الشعر العربي الحديث، جعلت من هذه التجربة تتسم بالخصوبة، والتفرد، فكريا وشعوريا، فكان لزاما عليها أن تفجر الشكل القديم الذي لم يعد يلاءم لتجربتهم الشعرية، بل يحد من انطلاقتها، وبعد محاولات، وتجارب عدة انتهى شعراء الحداثة إلى شكل جديد يقوم على أساس موسيقى هو:التفعيلة، واستقر هذا الشكل عند كل من بدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، وصلاح عبد الصبور. واعتبر الباحث أن الشكل تابع للمضمون، ذالك أن المضامين الخصبة و المتطور في الشعر هي وحدها القادرة على على تحقيق الوسائل الفنية الجديدة، وتبرير وجودها. وتتبع الباحث أهم المضامين الجديدة التي ارتبطت بالحركة الشعرية الحديثة، وحددها في اتجاهين:

الأول: تجربة الضياع والغربة:

حصر الباحث أسباب هذه الظاهرة الملفتة للإنتباه في الشعر الحديث في:

أ ـ التأثر ببعض شعراء الغرب، مثل: توماس إليوت، خصوصا في قصيدته الأرض الخراب.

ب ـ أعمال بعض الروائيين الجدد مثل: جان بول سارتر، ألبير كامو. والنقاد الذين ترجمت أعمالهم إلى اللغة العربية، مثل: كوين، وويلسن.

ج ـ العامل المعرفي، فاصطدام الأفكار المثالية بالواقع، تنعكس على النفس، فتصاب بالإحباط، والإنكسار

وأهم ممثلي هذه التجربة: أدونيس، وصلاح عبد الصبور، وعبد المعطي حجازي.

كما تتبع الباحث المظاهر التي تجلت فيها ألوان الغربة، والتي تمثلت في:

أ ـ الغربة في الكون:

هي نتاج نكبة فلسطين، وضياع أمجاد التاريخ، والشعور بالذل، والمهانة، فاعتزل الشاعر الحياة، وجرب وحدته، وغرق في غربته. ظهر هذا في شعر صلاح عبد الصبور، وأدونيس، ويوسف الخال....

ب ـ الغربة في المدينة:

أحس الشاعر العربي الحديث أن هندسة، وواقع مدينته قد تغير وإلى الأبد، بفعل غزو المدن الأوروبية لها، وأصبحت لا تناسب واقع العرب المهزوم، فجاء شعره تعبيرا عن هذا الإحساس بالغربة، فالمدينة قاسية، ومفرغة من كل إنسانية، وما يزيدها قسوة وعنفا عدم قدرة الشاعر على الهروب منها، فهي تحاصره، وتخنقه. عبر عن هذا كل من: أحمد عبد المعطي حجازي، بدر شاكر السياب...

ج ـ الغربة في الحب:

يرى الباحث أن الشاعر الحديث فشل في خلق علاقة حميمة مع المرأة، فالحب تحول إلى مرارة مميتة، فلا وجود لامرأة تحقق للشاعر ذاته، وتعيد له توازنه المنشود. وتمثل هذا الفشل المريع في أشعار خليل حاوي، والسياب، وصلاح عبد الصبور. ألم يقل عبد المعطي حجازي: "إن وقت الحب قد فات".(قصيدة نهاية، من ديوان: "لم يتبق إلا الإعتراف، ط/1، ص75 ـ 76).

د ـ الغربة في الكلمة:

إيمان الشاعر الحديث بأن الكلمة بمقدورها أن تغير، واكتشافه للحقيقة المرة، وهي أن الكلمة عاجزة على الفعل والحركة، ولن تستطيع تلبية طموحاته، جعلت يدخل حالة من اليأس قادته إلى الإغتراب، كما هو الحال عند صلاح عبد الصبور، وعبد الباسط الصوفي..

ذ ـ ومن خلال تحليله لقصيدة: "فارس النحاس"، لعبد الوهاب البياتي اكتشف الباحث ألوان أخرى من الغربة: (ديوان سفر الفقر والثورة، ص41)، وهي كالتالي:

أ ـ الغربة في المكان: الإدمان على التنقل والسفر، لعل الشاعر يجد ذاته.

ب ـ الغربة في الزمان: عجزه على التواصل مع الماضي، أو المستقبل.

ج ـ إحساسه بالعجز: لا يملك الإمكانيات ولا القدرة على خوض غمار الحياة.

ح ـ تشبثه بالحياة: فهو عاجز على نيل شرف الشهادة.

خ ـ الشعور بالموت: عجزه على الكشف عن تناقضات واقعه.

ذ ـ الإحتماء بالصمت: لم يتبق له غير الصمت يلوذ به ما دامت الكلمة عاجزة عن إحداث التغيير المنشود.

كل هذا يكشف عن التمزق النفسي والوجداني للشاعر الحداثي، والتمزق الروحي للإنسان العربي.

الفصـــــل الثالـــــــــث

تجربة الحياة والموت

كانت لهزيمة 1948م، ونكبة فلسطين، والحركات والتغييرات الهائلة التي عرفها المجتمع العربي أثره الكبير في تشكيل رؤية الشاعر العربي والتي طبعها اليأس، والضياع، والقلق، والإحساس بالغربة، التي أثمرت تجربة الموت. إلا أنه وسط هذا الدمار الشامل، والإحساس بالاانتماء، لم يفقد الشاعر الحداثي الأمل في المستقبل، فظل يحلم بالتجديد، والبعث: بعث المجتمع العربي من موته.

هكذا تراوحت تجربة الشاعر الحديث بين الأمل، واليأس.لم يستسلم للواقع المهزوم، بل كان إيمانه بالبعث، لا تفارق فكره وإحساسه، وانتهى بعد صراع طويل مع ذاته إلى تبني نظرة أكثر واقعية، وارتهنت تجربته الشعرية بمدى إيمانه بجدلية الحياة والموت.

فالشاعر الحديث يؤمن بأن "عظمة الشاعر وقوته، تكمنان في قدرته على تحمل النبذ، والغربة، والوحشة، والصمت، في عالم حكمت عليه فيه الآلهة بهذا العذاب، لأنه سرق منها النار الإلهية لإخوته البشر". (عبد الوهاب البياتي، تجربتي الشعرية، 1868م، ص47).

أما أدونيس، فآمن بأن "الإنسان هو جدال بين حياته، وموته، بين بدايته، ونهايته، بين ما هو، وما سيكون". (أدونيس، تجربتي الشعرية، 1966م، ص196 )، هذه الجدلية هي التي من شأنها أن تخلق الشاعر الثوري، وهي الثورة المطلقة، ليست محددة بزمان أو مكان.

وتجربة الحياة والموت باعتبارها مشدودة إلى المستقبل، ومرتبطة بالحاضر، هي نوع من المعاناة المتضمنة للموت، وحافز مفعم بالحياة والتجدد مستقبلا، واعتبر الباحث هذه التجربة في الشعر العربي فريدة من نوعها في تاريخه، باستثناء بعض محاولات الشعراء المهجريين التي عبرت عن فكرة تناسخ الأرواح، كما تجلت في أقصوصة: "رماد الأجيال والنار الخالد، لجبران. (عرائس المروج، المجموعة الكاملة لجبران، ج/1ن ص47). وعند ميخائيل نعيمة، في قصيدته: "أوراق ا

Partager cet article

8 décembre 2012 6 08 /12 /décembre /2012 07:33

 

.

وصف الكتاب:

 

يتكون الكتاب من 271ص، وهو مقسم إلى أربعة فصول، وكل فصل يتفرع إلى مجموعة من الأقسام. وجاء توزيع مضامين المؤلف على الشكل التالي:

الفصل الأول: من (ص5 إلى ص53 ): التطور التدريجي في الشعر الحديث.

وقسمه إلى قسمين:

الأول: تحت عنوان نحو مضمون ذاتي، تطرق إلى تيارين: الإحيائي، والذاتي، وتناول ضمن هذا التيار الأخير: جماعة الديوان، وتيار الرابطة القلمية، وجماعة أبولو.

الثاني: خصه للحديث عن الشكل الجديد في الشعر العربي الحديث.

الفصل الثاني: من ص55 إلى ص105: تجربة الغربة والضياع. بحث في هذا المحور عن أشكال الغربة والضياع في الشعر الحديث، والتي تمثلت في: الغربة في الكون، والمدينة، والحب، والكلمة، إضافة إلى الغربة في المكان، والزمان، والعجز، والحياة، والموت، والصمت.

الفصل الثالث: من ص107 إلى ص190: تجربة الحياة والموت، تناولها عند كل من أحمد سعيد أدونيس، وخليل حاوي، وعبد الوهاب البياتي، الذي استقصى العديد من المواضع في تجربته الشعرية: كمنحى الأمل، والإنتظار، وخط الموت، والحياة، والإستفهام، والرجاء، والتمني، والشك.

الفصل الرابع: من ص195 إلى ص256: الشكل الجديد. تناول فيه مجموعة من المحاور، وهي: تطور اللغة في الشعر الحديث، والنفس التقليدي في هذه اللغة، والبعد عن لغة الحديث اليومي، والسياق الدرامي للغة الشعر الحديث، والتعبير بالصورة في هذا الشعر، وتطور أسسه الموسيقية، وفي هذا الإطار تحدث مسألة الزحاف، وتنويع الأضرب، والتدوير، ونظام القافية أما الخاتمة فخصصها للإجابة على مسألة الغموض، وتبريرها.

ـ 2 ـ

تحليــــل الكتــــــاب

(جرد القضايا والموضوعات)

الفصل الأول: التطور التدريجي في الشعر الحديث:

القضية الأولى: الشعر العربي بين التطور، والتطور التدريجي.

في هذا السياق أشار الباحث إلى أنه بالفعل حدثت حركية مهمة في الحركة الشعرية العربية، وأرجعها إلى سببين اثنين:

الأول: الإحتكاك الذي حصل بين الثقافة العربية، والثقافات الأجنبية الأخرى (يقصد الثقافة الغربية)

الثاني: توفر مناخ من الحرية، فتح المجال أمام الشعراء للتعبير عن تجاربهم.

وأشار إلى أن هذه الحرية التي ينعم بها الشاعر الحديث، هي نفسها التي كان يتنفس فيها الشاعر العباسي: كالمتنبي، وأبي تمام، وأبي نواس.. وشعراء الأندلس (الموشحات).

وكان الهدف المتوخى عند الشعراء قديما وحديثا هو العودة إلى التجربة الذاتية باعتبارها أساس التجربة الشعرية، ورافدها الأساسي.

القضية الثانية: علاقة الشعر بالنقد.

يعتقد الباحث أن العلاقة بين الشاعر والناقد يحكمها التعقيد، ذالك أن الناقد، في العصور القديمة (العصر العباسي)، يستند في أحكامه على النص الشعري بمعايير، ومرجعيات تقليدية، فالعصر الجاهلي يمثل قمة الشعر العربي، ومن هذا الشعر استنبط ما يسمى ب:"عمود الشعر"، وهو القيد الذي عطل الكثير من المواهب الشعرية، واعتبر الحرية الأساس الذي تقوم عليه كل تجربة شعرية جديدة.

القضية الثالثة: خصوصية التجربة الشعرية الحديثة.

لاحظ الكاتب أن هناك ما يميز حركة الشعر الحديث العربية، عن الحركات التجديدية السابقة لها في العصر العباسي، وفي الأندلس. ويرى أن المناخ الذي ولدت فيه هذه الحركة، كان متزامنا مع نكبة فلسطين. وحدد الأشكال التي ظهرت بها هذه الحركة في شكلين:

الأول: حركة شعرية واجهت الواقع التقليدي العربي المتماسك، فكانت حركة بطيئة جدا(جماعة الديوان ـ تيار الرابطة القلمية ـ جماعة أبولو ).

الثاني: حركة واجهت المجتمع العربي بعد أن تفككت بنياته، وفقد تماسكه، فجاء تيار التجديد قويا وعنيفا وجارفا.

ولكي يوضح أكثر هذه الأفكار، أو القضايا، أو الفرضيات التي طرحها في مقدمة كتابه، فقد عمد إلى تقسم الفصل إلى قسمين:

القسم الأول: سيدرس فيه التحولات/ الموضوعات الجديدة التي تسللت إلى مضامين القصيدة الحداثية.

القسم الثاني: سيدرس فيه قضية الشكل كما طرحته هذه التيارات وما قام حوله من خصومات ونقد.

القســـــــم الأول

الحركة الإحيائية

من أهم خصائصها، محاكاة القدامى، والسير على خطاهم، والنسج على منوالهم. وأهم هذه الحركات:

1 ـ التيار الإحيائي: (ويسمى كذالك المدرسة الكلاسيكية، التيار المحافظ، التيار التقليدي).

وكان من أهداف هذا التيار تنظيف القصيدة العربية من كل العوالق التي شوهت معالمها الجمالية طيلة فترة عصر الإنحطاط وبالتالي العودة بها إلى منابعها الصافي عند شعراء العصر العباسي، وشعراء الأندلس، وذالك باقتفاء أثرهم، في المعاني، والأفكار. وأرجع الباحث الأسباب كون أغلب شعراء هذا التيار لم يتصلوا بالثقافة الأجنبية، مما جعل تأثرهم بها ضئيلا، وأورد اسم البارودي كأحد ممثلي هذا الاتجاه.

2 ـ التيار الذاتي:

كان البحث عن الذات الفردية لدى الشاعر الإحيائي من أهم العوامل التي عمات على تغيير مسار الشعر العربي، وتجنيبه البقاء رهينة للقدماء. وتبلور هذا الإتجاه عند التيارات الشعرية التالية:

2/1 ـ جماعة الديوان:

تشكلت من زمرة من الشعراء الذين أخذوا على عاتقهم التبشير بقيم جديدة، تتماشى والتطورات التي عرفها المجتمع المصري بعد ظهور الطبقة البورجوازية على مسرح الأحداث. ويمثل هذا التيار كل من: عبد الرحمان شكري، عباس محمود العقاد، إبراهيم عبد القادر المازيني. انطلق هؤلاء من فكرة مفادها: "الشعر وجدان". ثم اختلفوا في تفسير دلالته:

ـ شكري فهمه على أنه التأمل في أعناق الذات.

ـ المازيني رآه في كل ما تفيض به النفس من شعور وعواطف وإحساسات.

ـ العقاد اعتبره مزاجا من الفكر والشعور.

وانتهى أحد أقطاب هذه الجماعة إلى القول أن الشاعر إذا لم تعرف حياته من ديوانه فما هو بشاعر ولو كان له عشرات الدواوين.

وأرجع الباحث إيمان جماعة أبولو بقيمة العنصر الذاتي إلى عاملين:

الأول: شخصية الفرد المصري التي تعاني من انهيار تام على مختلف الأصعدة مما تطلب منه رد الإعتبار إلى ذاته

الثاني: تشبع رواد أبولو بالفكر الحر، الذي بسط ظله على العقل الغربي في تلك الفترة من تاريخ الأمة العربية.

2/2 ـ تيار الرابطة القلمية:

تأسست هذه الرابطة من أدباء وشعراء جمعتهم الغربة والبعد عن الأوطان. كان ذالك في أمريكا. وانطلق أقطاب هذا التيار ـ ميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران ـ من مفهوم موحد للشعر باعتباره "وجدان"، ولكنه وجدان لا يقف عند حدود الذات، بل يتجاوزها ليشمل الحياة والكون. لقد آمنوا بوجود علاقة خفية تربط الفرد بالكون، وتقربه من الذات الإلهية. ولاحظ الباحث أن أقوال هؤلاء الشعراء تتناقض مع أفعالهم، ذالك أن أغلبهم هربوا من الناس، ومن الواقع، ومن الحضارة، وغنوا أحلامهم للغاب، والخلاء، حيث ـ من وجهة نظرهم ـ الصفاء، والنقاء:

ـ جبران هرب إلى الطبيعة يناجيها ويبث لها أحلامه.

ـ ميخائيل نعيمة هرب إلى ذاته يتأملها.

ـ إيليا أبو ماض اعتصم بالخيال.

وينتهي الباحث إلى خلاصة مؤداها أن ما في شعر هؤلاء من هيام بالطبيعة، والحنين إلى الصبا، واللهو في سوريا، وفي لبنان، ليس سوى لون من ألوان الهروب التي يلجأ إليها الشاعر الوجداني عندما يحتمي بذاته الفردية كشكل من أشكال المواساة، وتعويض عن قطعه الصلة بينه وبين الحياة.

3/3ـ جماعة أبولو:

اعتُبر أحمد زكي أبو شادي بمثابة الأب الروحي لهذه الجماعة التي تأسست سنة 1932م. وانطلقت من اعتبار ذات الشاعر هي المصدر الرئيسي لكل ما ينتجه من شعر. ومن أقطاب هذه الجماعة، وما تفرد به كل واحد منهما، وميز شعره ذكر الباحث:

ـ إبراهيم ناجي: دار أغلب شعره حول المرأة، والحب.

ـ أبو القاسم الشابي: هام بالجمال، وعشق الحرية.

ـ عبد المعطي الهمشري: ولع بالطبيعة، واستشراف ما وراء الحياة، من خلال الحياة.

ـ علي محمود طه: شعره حافل بمظاهر البهجة والمسرة، منغمس في متع الدنيا، وملذاتها.

ـ أحمد زكي أبو شادي: كان حتى في شعره الموضوعي ذاتيا.

القسم الثانـــــــــــــي

نحو شكل جديد

فرضت المضامين الجديدة التي نحت منحى جديدا على الشاعر العربي الحديث إعادة النظر في الموروث الشكلي للشعر العربي، فكان لزاما عليه أن يتوسل للتعبير عن تجربته الذاتية، بأشكال مختلفة من الصيغ التعبيرية، والصور الفنية، والإيقاعات الموسيقية. وترتب على ذالك أن جاءت القصيدة الوجدانية، أكثر يسرا وسهولة من القصيدة الإحيائية المتأثرة بالتراث القديم كما نلمسه في القاموس الشعري لدى محمود سامي البارودي المثقل بمفردات البيئة الصحراوية البدوية: (القطا ـ الكاسرات ـ الذئاب ـ أسماء النباتات ...).

القصيدة الحداثية أصبحت أكثر قربا من الحديث اليومي للناس، وتجلت هذه الظاهرة أكثر في اللغة، عند كل من عباس محمود العقاد، في ديوانه: "عابر سبيل". وفي شعر إيليا أبو ماض. كما أن الشاعر الحديث وظف الصور البيانية بربطها بتجربته الشعرية ربطا وثيقا لشرح عواطفه، وبيان حاله، كما عند إبراهيم ناجي في ديوانه: "ديوان ناجي"، وليست مجرد وسائل للزينة. كما أن القافية لم تعد فقط وقفة عروضية شكلية، وإنما ارتبطت بأفكار الشاعر، وعواطفه.وينبهنا الباحث أن هذه المكتسبات لم تتحقق إلا لقلة من الشعراء المتميزين.

ومع ذالك فقد ظلت المحاولات التجديدية محتشمة، ومحبوسة في حيز ضيق، ويرجع الأسباب إلى الحملة العنيفة التي شنها النقاد المحافظون على هذه الحركة. فهم ينطلقون من مفهوم محدد للغة باعتبارها موجود مقدس، وأي مساس بها يعتبر مساسا بالمقدس، ومن هؤلاء النقاد: مصطفى صادق الرافعي، طه حسين، وكذالك العقاد الذي تحامل على لغة الحركة التجديدية في بعض مقالاته، وإن تراجع/ارتد عن آراءه في آخر المطاف. ويكمن السر في تراجع هؤلاء النقاد عن مواقفهم أنهم لم يعثروا على حجج قوية تقف في وجه التطور والتجديد.

وتحامل النقاد المحافظون أيضا على التجارب الشعرية التي مزجت بين الأوزان المختلفة في قصيدة واحدة، الشيء الذي لا تستسيغه الأذن التي تعودت على سماع الشعر التقليدي، كما فعل إيليا أبو ماض في قصيدته: "المجنون"، التي هاجمها طه حسين، واعتبرها ضرب من الجنون.

لقد حققت حملة المحافظين غاياتها، وأثرت كثيرا في مسار الحركة التجديدية، فتراجع بعض الشعراء عن طموحاتهم التجديدية، في حين توقف البعض نهائيا عن نظم الشعر كما فعل صالح جودت بعد صدور ديوانه الأول، حيث قال: "عزيز علي والله أن أودع الشعر، وأسكب آخر قطراته من قلبي، وأقف موقف الجندي الذي يطمع في الإنتصار، فيلقي السلاح، وينتحر". (مجلة أبولو/ المجلد الثاني ص269).

وانتهت هذه التيارات التجديدية نهاية محزنة ـ على حد تعبير الباحث ـ فالمضمون بقي مرتبطا بنغمة الكآبة، والأنين، والتوجع، والشكوى. كما أن الشكل فشل في الوصول إلى صورة تعبيرية ذات مقومات مكتملة، وناضجة، وذالك بسبب تحامل المحافظين عليها، هذا التيار المحافظ هو من سيتراجع، ويستسلم بعد هزيمة1948م، وانتصار الكيان الصهيوني. ومع ذالك فقد عاود الشعر العربي محاولة التجديد متسلحا بالحرية التي أصبح الشاعر الحديث يمتلكها، ليخوض تجربة أخرى رائدة برؤية قوامها: الإيمان بالإنسان والمجتمع.

الفصـــل الثانــــــــــــي

تجربة الغربة والضياع

1. حركة الشعر الحديث تجربة الغربة والضياع:

التمهيـــــــــــد:

تحدث الباحث العوامل التاريخية، والسياسية التي أدت إلى خلخلة المنظومة الإجتماعية، والفكرية التقليدية السائدة بعد هزيمة الجيوش العربية سنة 1948م، وما رافق ذالك من إعادة مساءلة البُنى الثقافية التي كانت مهيمنة على العقلية العربية، هذه العقلية التي انفتحت في جزء منها على التيارات الفكرية الغربية، كالفلسفة، الأدب، النقد.. فراحت تبحث عن الأجوبة وراء الهزيمة، وبالأخص الشاعر الذي كان وقع الهزيمة قاسيا عليه، وآمن أن الخلاص ( التقدم والتحضر)، يكمن في الإلمام بكل أنواع المعارف الإنسانية. وإذا ما تتبعنا الروافد التي استقى منه الشاعر الحديث ثقافته وجدناه متنوعة المشارب:

1.1ـ روافد ثقافية معرفية: الفلسفة، علم النفس، التاريخ...

2.1 ـ روافد شرقية روحية: الديانات الهندية، الدينات الفرسية، وتأثروا بالشاعر الهندي طاغور، والشعر الصوفي، عند جلال الدين الرومي، والجامي...

3.1 ـ روافد شعرية التزمت بقضايا الإنسان: أوودن، نيرودا، إيلوار..

4.1 ـ الثقافة الشعبية: سيرة عنترة، أبي زيد الهلالي، سيف بن ذي يزن، ألف ليلة وليلة..

5.5 ـ التراث (الشعر العربي القديم، والقرآن): استمد منهما المهارات اللغوية.

تفاعل الشاعر الحديث مع كل هذه الروافد، ونجح في المزج بينها، فخرج برؤية جديدة للشعر. يقول أدونيس: "الإبداع الشعري وسيلة لاكتشاف الإنسان، والعالم، وأنه فعالية جوهرية تتصل بوضع الإنسان ومستقبله إلى المدى الأقصى". (أدونيس/ تجربتي في الشعر، مجلة الآداب، مارس 1962م، ص196).

2. علاقة الشكل بالمضمون:

إن المضامين الجديدة التي دخلت الشعر العربي الحديث، جعلت من هذه التجربة تتسم بالخصوبة، والتفرد، فكريا وشعوريا، فكان لزاما عليها أن تفجر الشكل القديم الذي لم يعد يلاءم لتجربتهم الشعرية، بل يحد من انطلاقتها، وبعد محاولات، وتجارب عدة انتهى شعراء الحداثة إلى شكل جديد يقوم على أساس موسيقى هو:التفعيلة، واستقر هذا الشكل عند كل من بدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، وصلاح عبد الصبور. واعتبر الباحث أن الشكل تابع للمضمون، ذالك أن المضامين الخصبة و المتطور في الشعر هي وحدها القادرة على على تحقيق الوسائل الفنية الجديدة، وتبرير وجودها. وتتبع الباحث أهم المضامين الجديدة التي ارتبطت بالحركة الشعرية الحديثة، وحددها في اتجاهين:

الأول: تجربة الضياع والغربة:

حصر الباحث أسباب هذه الظاهرة الملفتة للإنتباه في الشعر الحديث في:

أ ـ التأثر ببعض شعراء الغرب، مثل: توماس إليوت، خصوصا في قصيدته الأرض الخراب.

ب ـ أعمال بعض الروائيين الجدد مثل: جان بول سارتر، ألبير كامو. والنقاد الذين ترجمت أعمالهم إلى اللغة العربية، مثل: كوين، وويلسن.

ج ـ العامل المعرفي، فاصطدام الأفكار المثالية بالواقع، تنعكس على النفس، فتصاب بالإحباط، والإنكسار

وأهم ممثلي هذه التجربة: أدونيس، وصلاح عبد الصبور، وعبد المعطي حجازي.

كما تتبع الباحث المظاهر التي تجلت فيها ألوان الغربة، والتي تمثلت في:

أ ـ الغربة في الكون:

هي نتاج نكبة فلسطين، وضياع أمجاد التاريخ، والشعور بالذل، والمهانة، فاعتزل الشاعر الحياة، وجرب وحدته، وغرق في غربته. ظهر هذا في شعر صلاح عبد الصبور، وأدونيس، ويوسف الخال....

ب ـ الغربة في المدينة:

أحس الشاعر العربي الحديث أن هندسة، وواقع مدينته قد تغير وإلى الأبد، بفعل غزو المدن الأوروبية لها، وأصبحت لا تناسب واقع العرب المهزوم، فجاء شعره تعبيرا عن هذا الإحساس بالغربة، فالمدينة قاسية، ومفرغة من كل إنسانية، وما يزيدها قسوة وعنفا عدم قدرة الشاعر على الهروب منها، فهي تحاصره، وتخنقه. عبر عن هذا كل من: أحمد عبد المعطي حجازي، بدر شاكر السياب...

ج ـ الغربة في الحب:

يرى الباحث أن الشاعر الحديث فشل في خلق علاقة حميمة مع المرأة، فالحب تحول إلى مرارة مميتة، فلا وجود لامرأة تحقق للشاعر ذاته، وتعيد له توازنه المنشود. وتمثل هذا الفشل المريع في أشعار خليل حاوي، والسياب، وصلاح عبد الصبور. ألم يقل عبد المعطي حجازي: "إن وقت الحب قد فات".(قصيدة نهاية، من ديوان: "لم يتبق إلا الإعتراف، ط/1، ص75 ـ 76).

د ـ الغربة في الكلمة:

إيمان الشاعر الحديث بأن الكلمة بمقدورها أن تغير، واكتشافه للحقيقة المرة، وهي أن الكلمة عاجزة على الفعل والحركة، ولن تستطيع تلبية طموحاته، جعلت يدخل حالة من اليأس قادته إلى الإغتراب، كما هو الحال عند صلاح عبد الصبور، وعبد الباسط الصوفي..

ذ ـ ومن خلال تحليله لقصيدة: "فارس النحاس"، لعبد الوهاب البياتي اكتشف الباحث ألوان أخرى من الغربة: (ديوان سفر الفقر والثورة، ص41)، وهي كالتالي:

أ ـ الغربة في المكان: الإدمان على التنقل والسفر، لعل الشاعر يجد ذاته.

ب ـ الغربة في الزمان: عجزه على التواصل مع الماضي، أو المستقبل.

ج ـ إحساسه بالعجز: لا يملك الإمكانيات ولا القدرة على خوض غمار الحياة.

ح ـ تشبثه بالحياة: فهو عاجز على نيل شرف الشهادة.

خ ـ الشعور بالموت: عجزه على الكشف عن تناقضات واقعه.

ذ ـ الإحتماء بالصمت: لم يتبق له غير الصمت يلوذ به ما دامت الكلمة عاجزة عن إحداث التغيير المنشود.

كل هذا يكشف عن التمزق النفسي والوجداني للشاعر الحداثي، والتمزق الروحي للإنسان العربي.

الفصـــــل الثالـــــــــث

تجربة الحياة والموت

كانت لهزيمة 1948م، ونكبة فلسطين، والحركات والتغييرات الهائلة التي عرفها المجتمع العربي أثره الكبير في تشكيل رؤية الشاعر العربي والتي طبعها اليأس، والضياع، والقلق، والإحساس بالغربة، التي أثمرت تجربة الموت. إلا أنه وسط هذا الدمار الشامل، والإحساس بالاانتماء، لم يفقد الشاعر الحداثي الأمل في المستقبل، فظل يحلم بالتجديد، والبعث: بعث المجتمع العربي من موته.

هكذا تراوحت تجربة الشاعر الحديث بين الأمل، واليأس.لم يستسلم للواقع المهزوم، بل كان إيمانه بالبعث، لا تفارق فكره وإحساسه، وانتهى بعد صراع طويل مع ذاته إلى تبني نظرة أكثر واقعية، وارتهنت تجربته الشعرية بمدى إيمانه بجدلية الحياة والموت.

فالشاعر الحديث يؤمن بأن "عظمة الشاعر وقوته، تكمنان في قدرته على تحمل النبذ، والغربة، والوحشة، والصمت، في عالم حكمت عليه فيه الآلهة بهذا العذاب، لأنه سرق منها النار الإلهية لإخوته البشر". (عبد الوهاب البياتي، تجربتي الشعرية، 1868م، ص47).

أما أدونيس، فآمن بأن "الإنسان هو جدال بين حياته، وموته، بين بدايته، ونهايته، بين ما هو، وما سيكون". (أدونيس، تجربتي الشعرية، 1966م، ص196 )، هذه الجدلية هي التي من شأنها أن تخلق الشاعر الثوري، وهي الثورة المطلقة، ليست محددة بزمان أو مكان.

وتجربة الحياة والموت باعتبارها مشدودة إلى المستقبل، ومرتبطة بالحاضر، هي نوع من المعاناة المتضمنة للموت، وحافز مفعم بالحياة والتجدد مستقبلا، واعتبر الباحث هذه التجربة في الشعر العربي فريدة من نوعها في تاريخه، باستثناء بعض محاولات الشعراء المهجريين التي عبرت عن فكرة تناسخ الأرواح، كما تجلت في أقصوصة: "رماد الأجيال والنار الخالد، لجبران. (عرائس المروج، المجموعة الكاملة لجبران، ج/1ن ص47). وعند ميخائيل نعيمة، في قصيدته: "أوراق ا

Partager cet article

8 décembre 2012 6 08 /12 /décembre /2012 07:33

 

.

وصف الكتاب:

 

يتكون الكتاب من 271ص، وهو مقسم إلى أربعة فصول، وكل فصل يتفرع إلى مجموعة من الأقسام. وجاء توزيع مضامين المؤلف على الشكل التالي:

الفصل الأول: من (ص5 إلى ص53 ): التطور التدريجي في الشعر الحديث.

وقسمه إلى قسمين:

الأول: تحت عنوان نحو مضمون ذاتي، تطرق إلى تيارين: الإحيائي، والذاتي، وتناول ضمن هذا التيار الأخير: جماعة الديوان، وتيار الرابطة القلمية، وجماعة أبولو.

الثاني: خصه للحديث عن الشكل الجديد في الشعر العربي الحديث.

الفصل الثاني: من ص55 إلى ص105: تجربة الغربة والضياع. بحث في هذا المحور عن أشكال الغربة والضياع في الشعر الحديث، والتي تمثلت في: الغربة في الكون، والمدينة، والحب، والكلمة، إضافة إلى الغربة في المكان، والزمان، والعجز، والحياة، والموت، والصمت.

الفصل الثالث: من ص107 إلى ص190: تجربة الحياة والموت، تناولها عند كل من أحمد سعيد أدونيس، وخليل حاوي، وعبد الوهاب البياتي، الذي استقصى العديد من المواضع في تجربته الشعرية: كمنحى الأمل، والإنتظار، وخط الموت، والحياة، والإستفهام، والرجاء، والتمني، والشك.

الفصل الرابع: من ص195 إلى ص256: الشكل الجديد. تناول فيه مجموعة من المحاور، وهي: تطور اللغة في الشعر الحديث، والنفس التقليدي في هذه اللغة، والبعد عن لغة الحديث اليومي، والسياق الدرامي للغة الشعر الحديث، والتعبير بالصورة في هذا الشعر، وتطور أسسه الموسيقية، وفي هذا الإطار تحدث مسألة الزحاف، وتنويع الأضرب، والتدوير، ونظام القافية أما الخاتمة فخصصها للإجابة على مسألة الغموض، وتبريرها.

ـ 2 ـ

تحليــــل الكتــــــاب

(جرد القضايا والموضوعات)

الفصل الأول: التطور التدريجي في الشعر الحديث:

القضية الأولى: الشعر العربي بين التطور، والتطور التدريجي.

في هذا السياق أشار الباحث إلى أنه بالفعل حدثت حركية مهمة في الحركة الشعرية العربية، وأرجعها إلى سببين اثنين:

الأول: الإحتكاك الذي حصل بين الثقافة العربية، والثقافات الأجنبية الأخرى (يقصد الثقافة الغربية)

الثاني: توفر مناخ من الحرية، فتح المجال أمام الشعراء للتعبير عن تجاربهم.

وأشار إلى أن هذه الحرية التي ينعم بها الشاعر الحديث، هي نفسها التي كان يتنفس فيها الشاعر العباسي: كالمتنبي، وأبي تمام، وأبي نواس.. وشعراء الأندلس (الموشحات).

وكان الهدف المتوخى عند الشعراء قديما وحديثا هو العودة إلى التجربة الذاتية باعتبارها أساس التجربة الشعرية، ورافدها الأساسي.

القضية الثانية: علاقة الشعر بالنقد.

يعتقد الباحث أن العلاقة بين الشاعر والناقد يحكمها التعقيد، ذالك أن الناقد، في العصور القديمة (العصر العباسي)، يستند في أحكامه على النص الشعري بمعايير، ومرجعيات تقليدية، فالعصر الجاهلي يمثل قمة الشعر العربي، ومن هذا الشعر استنبط ما يسمى ب:"عمود الشعر"، وهو القيد الذي عطل الكثير من المواهب الشعرية، واعتبر الحرية الأساس الذي تقوم عليه كل تجربة شعرية جديدة.

القضية الثالثة: خصوصية التجربة الشعرية الحديثة.

لاحظ الكاتب أن هناك ما يميز حركة الشعر الحديث العربية، عن الحركات التجديدية السابقة لها في العصر العباسي، وفي الأندلس. ويرى أن المناخ الذي ولدت فيه هذه الحركة، كان متزامنا مع نكبة فلسطين. وحدد الأشكال التي ظهرت بها هذه الحركة في شكلين:

الأول: حركة شعرية واجهت الواقع التقليدي العربي المتماسك، فكانت حركة بطيئة جدا(جماعة الديوان ـ تيار الرابطة القلمية ـ جماعة أبولو ).

الثاني: حركة واجهت المجتمع العربي بعد أن تفككت بنياته، وفقد تماسكه، فجاء تيار التجديد قويا وعنيفا وجارفا.

ولكي يوضح أكثر هذه الأفكار، أو القضايا، أو الفرضيات التي طرحها في مقدمة كتابه، فقد عمد إلى تقسم الفصل إلى قسمين:

القسم الأول: سيدرس فيه التحولات/ الموضوعات الجديدة التي تسللت إلى مضامين القصيدة الحداثية.

القسم الثاني: سيدرس فيه قضية الشكل كما طرحته هذه التيارات وما قام حوله من خصومات ونقد.

القســـــــم الأول

الحركة الإحيائية

من أهم خصائصها، محاكاة القدامى، والسير على خطاهم، والنسج على منوالهم. وأهم هذه الحركات:

1 ـ التيار الإحيائي: (ويسمى كذالك المدرسة الكلاسيكية، التيار المحافظ، التيار التقليدي).

وكان من أهداف هذا التيار تنظيف القصيدة العربية من كل العوالق التي شوهت معالمها الجمالية طيلة فترة عصر الإنحطاط وبالتالي العودة بها إلى منابعها الصافي عند شعراء العصر العباسي، وشعراء الأندلس، وذالك باقتفاء أثرهم، في المعاني، والأفكار. وأرجع الباحث الأسباب كون أغلب شعراء هذا التيار لم يتصلوا بالثقافة الأجنبية، مما جعل تأثرهم بها ضئيلا، وأورد اسم البارودي كأحد ممثلي هذا الاتجاه.

2 ـ التيار الذاتي:

كان البحث عن الذات الفردية لدى الشاعر الإحيائي من أهم العوامل التي عمات على تغيير مسار الشعر العربي، وتجنيبه البقاء رهينة للقدماء. وتبلور هذا الإتجاه عند التيارات الشعرية التالية:

2/1 ـ جماعة الديوان:

تشكلت من زمرة من الشعراء الذين أخذوا على عاتقهم التبشير بقيم جديدة، تتماشى والتطورات التي عرفها المجتمع المصري بعد ظهور الطبقة البورجوازية على مسرح الأحداث. ويمثل هذا التيار كل من: عبد الرحمان شكري، عباس محمود العقاد، إبراهيم عبد القادر المازيني. انطلق هؤلاء من فكرة مفادها: "الشعر وجدان". ثم اختلفوا في تفسير دلالته:

ـ شكري فهمه على أنه التأمل في أعناق الذات.

ـ المازيني رآه في كل ما تفيض به النفس من شعور وعواطف وإحساسات.

ـ العقاد اعتبره مزاجا من الفكر والشعور.

وانتهى أحد أقطاب هذه الجماعة إلى القول أن الشاعر إذا لم تعرف حياته من ديوانه فما هو بشاعر ولو كان له عشرات الدواوين.

وأرجع الباحث إيمان جماعة أبولو بقيمة العنصر الذاتي إلى عاملين:

الأول: شخصية الفرد المصري التي تعاني من انهيار تام على مختلف الأصعدة مما تطلب منه رد الإعتبار إلى ذاته

الثاني: تشبع رواد أبولو بالفكر الحر، الذي بسط ظله على العقل الغربي في تلك الفترة من تاريخ الأمة العربية.

2/2 ـ تيار الرابطة القلمية:

تأسست هذه الرابطة من أدباء وشعراء جمعتهم الغربة والبعد عن الأوطان. كان ذالك في أمريكا. وانطلق أقطاب هذا التيار ـ ميخائيل نعيمة وجبران خليل جبران ـ من مفهوم موحد للشعر باعتباره "وجدان"، ولكنه وجدان لا يقف عند حدود الذات، بل يتجاوزها ليشمل الحياة والكون. لقد آمنوا بوجود علاقة خفية تربط الفرد بالكون، وتقربه من الذات الإلهية. ولاحظ الباحث أن أقوال هؤلاء الشعراء تتناقض مع أفعالهم، ذالك أن أغلبهم هربوا من الناس، ومن الواقع، ومن الحضارة، وغنوا أحلامهم للغاب، والخلاء، حيث ـ من وجهة نظرهم ـ الصفاء، والنقاء:

ـ جبران هرب إلى الطبيعة يناجيها ويبث لها أحلامه.

ـ ميخائيل نعيمة هرب إلى ذاته يتأملها.

ـ إيليا أبو ماض اعتصم بالخيال.

وينتهي الباحث إلى خلاصة مؤداها أن ما في شعر هؤلاء من هيام بالطبيعة، والحنين إلى الصبا، واللهو في سوريا، وفي لبنان، ليس سوى لون من ألوان الهروب التي يلجأ إليها الشاعر الوجداني عندما يحتمي بذاته الفردية كشكل من أشكال المواساة، وتعويض عن قطعه الصلة بينه وبين الحياة.

3/3ـ جماعة أبولو:

اعتُبر أحمد زكي أبو شادي بمثابة الأب الروحي لهذه الجماعة التي تأسست سنة 1932م. وانطلقت من اعتبار ذات الشاعر هي المصدر الرئيسي لكل ما ينتجه من شعر. ومن أقطاب هذه الجماعة، وما تفرد به كل واحد منهما، وميز شعره ذكر الباحث:

ـ إبراهيم ناجي: دار أغلب شعره حول المرأة، والحب.

ـ أبو القاسم الشابي: هام بالجمال، وعشق الحرية.

ـ عبد المعطي الهمشري: ولع بالطبيعة، واستشراف ما وراء الحياة، من خلال الحياة.

ـ علي محمود طه: شعره حافل بمظاهر البهجة والمسرة، منغمس في متع الدنيا، وملذاتها.

ـ أحمد زكي أبو شادي: كان حتى في شعره الموضوعي ذاتيا.

القسم الثانـــــــــــــي

نحو شكل جديد

فرضت المضامين الجديدة التي نحت منحى جديدا على الشاعر العربي الحديث إعادة النظر في الموروث الشكلي للشعر العربي، فكان لزاما عليه أن يتوسل للتعبير عن تجربته الذاتية، بأشكال مختلفة من الصيغ التعبيرية، والصور الفنية، والإيقاعات الموسيقية. وترتب على ذالك أن جاءت القصيدة الوجدانية، أكثر يسرا وسهولة من القصيدة الإحيائية المتأثرة بالتراث القديم كما نلمسه في القاموس الشعري لدى محمود سامي البارودي المثقل بمفردات البيئة الصحراوية البدوية: (القطا ـ الكاسرات ـ الذئاب ـ أسماء النباتات ...).

القصيدة الحداثية أصبحت أكثر قربا من الحديث اليومي للناس، وتجلت هذه الظاهرة أكثر في اللغة، عند كل من عباس محمود العقاد، في ديوانه: "عابر سبيل". وفي شعر إيليا أبو ماض. كما أن الشاعر الحديث وظف الصور البيانية بربطها بتجربته الشعرية ربطا وثيقا لشرح عواطفه، وبيان حاله، كما عند إبراهيم ناجي في ديوانه: "ديوان ناجي"، وليست مجرد وسائل للزينة. كما أن القافية لم تعد فقط وقفة عروضية شكلية، وإنما ارتبطت بأفكار الشاعر، وعواطفه.وينبهنا الباحث أن هذه المكتسبات لم تتحقق إلا لقلة من الشعراء المتميزين.

ومع ذالك فقد ظلت المحاولات التجديدية محتشمة، ومحبوسة في حيز ضيق، ويرجع الأسباب إلى الحملة العنيفة التي شنها النقاد المحافظون على هذه الحركة. فهم ينطلقون من مفهوم محدد للغة باعتبارها موجود مقدس، وأي مساس بها يعتبر مساسا بالمقدس، ومن هؤلاء النقاد: مصطفى صادق الرافعي، طه حسين، وكذالك العقاد الذي تحامل على لغة الحركة التجديدية في بعض مقالاته، وإن تراجع/ارتد عن آراءه في آخر المطاف. ويكمن السر في تراجع هؤلاء النقاد عن مواقفهم أنهم لم يعثروا على حجج قوية تقف في وجه التطور والتجديد.

وتحامل النقاد المحافظون أيضا على التجارب الشعرية التي مزجت بين الأوزان المختلفة في قصيدة واحدة، الشيء الذي لا تستسيغه الأذن التي تعودت على سماع الشعر التقليدي، كما فعل إيليا أبو ماض في قصيدته: "المجنون"، التي هاجمها طه حسين، واعتبرها ضرب من الجنون.

لقد حققت حملة المحافظين غاياتها، وأثرت كثيرا في مسار الحركة التجديدية، فتراجع بعض الشعراء عن طموحاتهم التجديدية، في حين توقف البعض نهائيا عن نظم الشعر كما فعل صالح جودت بعد صدور ديوانه الأول، حيث قال: "عزيز علي والله أن أودع الشعر، وأسكب آخر قطراته من قلبي، وأقف موقف الجندي الذي يطمع في الإنتصار، فيلقي السلاح، وينتحر". (مجلة أبولو/ المجلد الثاني ص269).

وانتهت هذه التيارات التجديدية نهاية محزنة ـ على حد تعبير الباحث ـ فالمضمون بقي مرتبطا بنغمة الكآبة، والأنين، والتوجع، والشكوى. كما أن الشكل فشل في الوصول إلى صورة تعبيرية ذات مقومات مكتملة، وناضجة، وذالك بسبب تحامل المحافظين عليها، هذا التيار المحافظ هو من سيتراجع، ويستسلم بعد هزيمة1948م، وانتصار الكيان الصهيوني. ومع ذالك فقد عاود الشعر العربي محاولة التجديد متسلحا بالحرية التي أصبح الشاعر الحديث يمتلكها، ليخوض تجربة أخرى رائدة برؤية قوامها: الإيمان بالإنسان والمجتمع.

الفصـــل الثانــــــــــــي

تجربة الغربة والضياع

1. حركة الشعر الحديث تجربة الغربة والضياع:

التمهيـــــــــــد:

تحدث الباحث العوامل التاريخية، والسياسية التي أدت إلى خلخلة المنظومة الإجتماعية، والفكرية التقليدية السائدة بعد هزيمة الجيوش العربية سنة 1948م، وما رافق ذالك من إعادة مساءلة البُنى الثقافية التي كانت مهيمنة على العقلية العربية، هذه العقلية التي انفتحت في جزء منها على التيارات الفكرية الغربية، كالفلسفة، الأدب، النقد.. فراحت تبحث عن الأجوبة وراء الهزيمة، وبالأخص الشاعر الذي كان وقع الهزيمة قاسيا عليه، وآمن أن الخلاص ( التقدم والتحضر)، يكمن في الإلمام بكل أنواع المعارف الإنسانية. وإذا ما تتبعنا الروافد التي استقى منه الشاعر الحديث ثقافته وجدناه متنوعة المشارب:

1.1ـ روافد ثقافية معرفية: الفلسفة، علم النفس، التاريخ...

2.1 ـ روافد شرقية روحية: الديانات الهندية، الدينات الفرسية، وتأثروا بالشاعر الهندي طاغور، والشعر الصوفي، عند جلال الدين الرومي، والجامي...

3.1 ـ روافد شعرية التزمت بقضايا الإنسان: أوودن، نيرودا، إيلوار..

4.1 ـ الثقافة الشعبية: سيرة عنترة، أبي زيد الهلالي، سيف بن ذي يزن، ألف ليلة وليلة..

5.5 ـ التراث (الشعر العربي القديم، والقرآن): استمد منهما المهارات اللغوية.

تفاعل الشاعر الحديث مع كل هذه الروافد، ونجح في المزج بينها، فخرج برؤية جديدة للشعر. يقول أدونيس: "الإبداع الشعري وسيلة لاكتشاف الإنسان، والعالم، وأنه فعالية جوهرية تتصل بوضع الإنسان ومستقبله إلى المدى الأقصى". (أدونيس/ تجربتي في الشعر، مجلة الآداب، مارس 1962م، ص196).

2. علاقة الشكل بالمضمون:

إن المضامين الجديدة التي دخلت الشعر العربي الحديث، جعلت من هذه التجربة تتسم بالخصوبة، والتفرد، فكريا وشعوريا، فكان لزاما عليها أن تفجر الشكل القديم الذي لم يعد يلاءم لتجربتهم الشعرية، بل يحد من انطلاقتها، وبعد محاولات، وتجارب عدة انتهى شعراء الحداثة إلى شكل جديد يقوم على أساس موسيقى هو:التفعيلة، واستقر هذا الشكل عند كل من بدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، وصلاح عبد الصبور. واعتبر الباحث أن الشكل تابع للمضمون، ذالك أن المضامين الخصبة و المتطور في الشعر هي وحدها القادرة على على تحقيق الوسائل الفنية الجديدة، وتبرير وجودها. وتتبع الباحث أهم المضامين الجديدة التي ارتبطت بالحركة الشعرية الحديثة، وحددها في اتجاهين:

الأول: تجربة الضياع والغربة:

حصر الباحث أسباب هذه الظاهرة الملفتة للإنتباه في الشعر الحديث في:

أ ـ التأثر ببعض شعراء الغرب، مثل: توماس إليوت، خصوصا في قصيدته الأرض الخراب.

ب ـ أعمال بعض الروائيين الجدد مثل: جان بول سارتر، ألبير كامو. والنقاد الذين ترجمت أعمالهم إلى اللغة العربية، مثل: كوين، وويلسن.

ج ـ العامل المعرفي، فاصطدام الأفكار المثالية بالواقع، تنعكس على النفس، فتصاب بالإحباط، والإنكسار

وأهم ممثلي هذه التجربة: أدونيس، وصلاح عبد الصبور، وعبد المعطي حجازي.

كما تتبع الباحث المظاهر التي تجلت فيها ألوان الغربة، والتي تمثلت في:

أ ـ الغربة في الكون:

هي نتاج نكبة فلسطين، وضياع أمجاد التاريخ، والشعور بالذل، والمهانة، فاعتزل الشاعر الحياة، وجرب وحدته، وغرق في غربته. ظهر هذا في شعر صلاح عبد الصبور، وأدونيس، ويوسف الخال....

ب ـ الغربة في المدينة:

أحس الشاعر العربي الحديث أن هندسة، وواقع مدينته قد تغير وإلى الأبد، بفعل غزو المدن الأوروبية لها، وأصبحت لا تناسب واقع العرب المهزوم، فجاء شعره تعبيرا عن هذا الإحساس بالغربة، فالمدينة قاسية، ومفرغة من كل إنسانية، وما يزيدها قسوة وعنفا عدم قدرة الشاعر على الهروب منها، فهي تحاصره، وتخنقه. عبر عن هذا كل من: أحمد عبد المعطي حجازي، بدر شاكر السياب...

ج ـ الغربة في الحب:

يرى الباحث أن الشاعر الحديث فشل في خلق علاقة حميمة مع المرأة، فالحب تحول إلى مرارة مميتة، فلا وجود لامرأة تحقق للشاعر ذاته، وتعيد له توازنه المنشود. وتمثل هذا الفشل المريع في أشعار خليل حاوي، والسياب، وصلاح عبد الصبور. ألم يقل عبد المعطي حجازي: "إن وقت الحب قد فات".(قصيدة نهاية، من ديوان: "لم يتبق إلا الإعتراف، ط/1، ص75 ـ 76).

د ـ الغربة في الكلمة:

إيمان الشاعر الحديث بأن الكلمة بمقدورها أن تغير، واكتشافه للحقيقة المرة، وهي أن الكلمة عاجزة على الفعل والحركة، ولن تستطيع تلبية طموحاته، جعلت يدخل حالة من اليأس قادته إلى الإغتراب، كما هو الحال عند صلاح عبد الصبور، وعبد الباسط الصوفي..

ذ ـ ومن خلال تحليله لقصيدة: "فارس النحاس"، لعبد الوهاب البياتي اكتشف الباحث ألوان أخرى من الغربة: (ديوان سفر الفقر والثورة، ص41)، وهي كالتالي:

أ ـ الغربة في المكان: الإدمان على التنقل والسفر، لعل الشاعر يجد ذاته.

ب ـ الغربة في الزمان: عجزه على التواصل مع الماضي، أو المستقبل.

ج ـ إحساسه بالعجز: لا يملك الإمكانيات ولا القدرة على خوض غمار الحياة.

ح ـ تشبثه بالحياة: فهو عاجز على نيل شرف الشهادة.

خ ـ الشعور بالموت: عجزه على الكشف عن تناقضات واقعه.

ذ ـ الإحتماء بالصمت: لم يتبق له غير الصمت يلوذ به ما دامت الكلمة عاجزة عن إحداث التغيير المنشود.

كل هذا يكشف عن التمزق النفسي والوجداني للشاعر الحداثي، والتمزق الروحي للإنسان العربي.

الفصـــــل الثالـــــــــث

تجربة الحياة والموت

كانت لهزيمة 1948م، ونكبة فلسطين، والحركات والتغييرات الهائلة التي عرفها المجتمع العربي أثره الكبير في تشكيل رؤية الشاعر العربي والتي طبعها اليأس، والضياع، والقلق، والإحساس بالغربة، التي أثمرت تجربة الموت. إلا أنه وسط هذا الدمار الشامل، والإحساس بالاانتماء، لم يفقد الشاعر الحداثي الأمل في المستقبل، فظل يحلم بالتجديد، والبعث: بعث المجتمع العربي من موته.

هكذا تراوحت تجربة الشاعر الحديث بين الأمل، واليأس.لم يستسلم للواقع المهزوم، بل كان إيمانه بالبعث، لا تفارق فكره وإحساسه، وانتهى بعد صراع طويل مع ذاته إلى تبني نظرة أكثر واقعية، وارتهنت تجربته الشعرية بمدى إيمانه بجدلية الحياة والموت.

فالشاعر الحديث يؤمن بأن "عظمة الشاعر وقوته، تكمنان في قدرته على تحمل النبذ، والغربة، والوحشة، والصمت، في عالم حكمت عليه فيه الآلهة بهذا العذاب، لأنه سرق منها النار الإلهية لإخوته البشر". (عبد الوهاب البياتي، تجربتي الشعرية، 1868م، ص47).

أما أدونيس، فآمن بأن "الإنسان هو جدال بين حياته، وموته، بين بدايته، ونهايته، بين ما هو، وما سيكون". (أدونيس، تجربتي الشعرية، 1966م، ص196 )، هذه الجدلية هي التي من شأنها أن تخلق الشاعر الثوري، وهي الثورة المطلقة، ليست محددة بزمان أو مكان.

وتجربة الحياة والموت باعتبارها مشدودة إلى المستقبل، ومرتبطة بالحاضر، هي نوع من المعاناة المتضمنة للموت، وحافز مفعم بالحياة والتجدد مستقبلا، واعتبر الباحث هذه التجربة في الشعر العربي فريدة من نوعها في تاريخه، باستثناء بعض محاولات الشعراء المهجريين التي عبرت عن فكرة تناسخ الأرواح، كما تجلت في أقصوصة: "رماد الأجيال والنار الخالد، لجبران. (عرائس المروج، المجموعة الكاملة لجبران، ج/1ن ص47). وعند ميخائيل نعيمة، في قصيدته: "أوراق ا

Partager cet article